صوت البحر كان دائمًا هو الخلفية الثابتة لحياة المدينة. ذلك الهدير المطمئن الذي يعرفه أهل صور منذ أن فتحوا عيونهم على العالم. كانوا يُرضَعون على حكايات الأساطيل التي تجوب البحار البعيدة، وتعود محمَّلة بكنوز الأرض: فضة من تارشيش، ذهب من أوفير، أقمشة أرجوانية لا تُقدَّر بثمن، وخشب أرز رائحته تفوح عَظَمة. كانت صور جاثمة على شاطئها وجزيرتها كتاجرة عتيقة، عيناها على الأفق، وأصابعها متشابكة مع مصائر الممالك. كانت تعرف أن عروش الملوك تُبنى من تجارتها، وأن حروب الأباطرة تُموَّل من خزائنها. فمن ذا الذي يستطيع أن يعكر صفوها؟
لكن في تلك السنة، جاءت الأنباء مع رياح الشرق، لا مع رياح البحر. جاءت أولاً مكتومة، كرائحة حريق بعيد. تجار من دمشق همسوا في زوايا السوق الكبير عن زحف لا مثيل له، عن جيش كالسيل من بلاد ما بين النهرين، يقوده ملك اسمه نبوخذناصّر. ضحك شيوخ صور. فحصونهم في الجزيرة لا تُقهر، وسفنهم تستطيع أن تحاصر أي حصار. ألم يحاول آخرون من قبل؟ ولكن البحر كان حليفهم الدائم، والبحر لا يعرف الولاء إلا لمن يدفع ثمنه.
ثم بدأت العلامات. سفن التجارة التي اعتادت أن ترسو كل شهر من قبرص، لم تظهر. الطريق البري الذي كان ينقل البضائع من الداخل بدأ ينضب كالنهر في الصيف. في الميناء، بدأ القباطنة يتبادلون نظرات قلقة. صخب الأحمال والعمال خفت إلى همس. حتى صفارات السفن صارت أقل نشازاً. كان الخوف يزحف كضباب خفي.
وفي اليوم الذي رأوا فيه دخاناً عظيماً يتصاعد من جهة الساحل، حيث تقع مدينة صور الأم، صيدون، أدركوا أن الكارثة ليست شائعة. لقد أُغلقت عليهم السبل. البحر نفسه صامت، وكأنما ينتظر. المراكب التي أرسلوها للاستكشاف عادت بأخبار تفزع القلب: الموانئ تُدمر، والمدن تُحرق، والطرق أصبحت مسدودة بجيوش الغزاة. لقد حوصرت صور من البر، وتحولت الجزيرة إلى سجن فخم.
سبعون عاماً. جيل كامل وُلد، وعاش، وشاخ داخل تلك الأسوار. رأوا وجه البحر كل يوم، لكنهم لم يعودوا يمتلكونه. صارت السفن العظيمة هياكل عظمية متعفنة على الأرصفة. والأقمشة الأرجوانية الثمينة بليت على أجساد من يرتديها. الأغاني التي كانت تُنشد للملاحة والتجارة تحولت إلى مراثٍ تُهمس في الليل. تعلموا أن الثروة لا تطعم الخبز عندما تنقطع السبل، وأن الذهب لا يروي العطش. كانوا أغنى مدينة في العالم، وأكثرها عوزاً.
وفي صمت تلك السنين، تذكر بعض الشيوخ كلمات رجل جاء ذات مرة من الجنوب، من أرض يهوذا الجبلية. كان يلبس ثوباً خشناً، وصوته كالرعد. تكلم عن دينونة، عن أن الرب إله إسرائيل سيدين كبرياء كنعان. ضحكوا منه وقتها، وسخروا من إله لا يملك أسطولاً، ولا يعرف طرق التجارة. الآن، في العزلة القسرية، بدت كلماته كأنها محفورة على حيطان قلوبهم. لقد نسوا أن هناك سلطة أعلى من سلطة الفضة والذهب، وأن هناك من يمسك بدفة التاريخ، حتى عندما تبدو السفن بلا قبطان.
ثم، كما يأتي الجفاف وينتهي، مرت تلك السنين. عادت الحياة تدب ببطء. سفن صغيرة تجرأت على قطع المياه، تبحث عن طرق جديدة، متواضعة. لكن لم تعد صور هي السيدة. لقد تعلمت درساً قاسياً: أن المجد البشري زائل، وأن الثروة التي تُبنى بعيداً عن مخافة الله هي قصر من رمال. صارت تخدم، بعد أن كانت تُخدم. صارت ذكرى مجدها حديثاً في ألسنة الحكماء، تحذيراً لكل مدينة ترفع تاجها عالياً وتنسى من وضع الكواكب في السماء.
البحر ما زال يهمس بنفس الصوت. لكن أهل صور تعلموا أن يصغوا إلى ما وراء الأمواج.




