كان الميناء يئن تحت ثقل حركة لم تعرف لها صور مثيلاً من قبل. كانت الشمس تميل نحو الغرب، فتصبغ أشرعة السفن القادمة من وراء البحار بلون العسل الذائب، وتلمع على صفائح النحاس والبرونز المحمولة على أكتاف العمال الذين يصعدون وينزلون كالنمل الدؤوب. ريح ملحة آتية من الغرب تحمل رائحة ملح البحر الزنخة، وعبق أخشاب الأرز، وتلك الرائحة الحادة للصباغ الأرجواني الذي تشتهر به المدينة، وهو عطر الثروة والسلطة.
كانت صور، الجزيرة الحصينة، تتشامخ في أمان، متكئة على مجدها البحري. سفن من ترشيش تحمل فضة وحديداً وقصديراً، ومن اليونان أواني فخارية وزيتاً، ومن مصر كتاناً ناعماً كالنسيج العنكبوتي. وكان حيرام، التاجر الذي ورث عن أبيه أسطولاً وسوقاً، يقف على شرفة بيته المطل على الميناء، عيناه تنظران بلا رؤية إلى تلك النشاشة. في يده كأس من خزف دقيق، لكنه لم يذق طعم الخمر فيه. كان هناك ثقل ما، ثقل لا يفسره ازدحام المرفأ ولا ضجيج المساومين في الأسواق.
تذكر كلمات الرجل العجوز، ذلك الغريب الذي ظهر قبل أشهر عند البوابة الشرقية. لم يكن ملامحه كملامح أهل صور أو صيدون. كانت ثيابه بسيطة، خشنة، لكن عينيه كانتا كجمرتين تتقدان في محجرين عميقين. صوته كان جهورياً يقطع ضجيج السوق: “وَيْلٌ لِسُفُنِ تَرْشِيشَ، لأَنَّهَا خَرِبَتْ حَتَّى لاَ بَيْتَ وَلاَ مَدْخَلٍ!” كان الناس يمرون ضاحكين، بعضهم أشار إليه باستخفاف: “مجنون آخر من برية اليهود”. لكن الكلمات علقت في ذهن حيرام كشوكة في الحلق. “مَنْ أَعْطَى هَذَاَ الْقَضَاءَ عَلَى صُورٍ، الَّتِي كَانَتْ تُتَوِّجُ؟” هكذا قال الغريب.
انتبه حيرام من تأمله بصوت ابنته الصغيرة، ريما، التي كانت تجري نحو الشرفة ترفع ثوبها كي لا تعثر به. “أبي! أبي! انظر إلى السفينة الجديدة! يقولون إنها تحمل أحجاراً كريمة من أراضي الجنوب!” التفت إليها فجأة، محاولاً أن يطرد السحابة السوداء من جبهته. ابتسم ابتسامة قصيرة. “نعم، يا حبيبتي. أحجار كريمة وبضائع ثمينة. كل شيء يأتي إلى صور.”
لكن الابتسامة ذابت سريعاً. نظر إلى الأسوار العالية، إلى الأبراج الشامخة، إلى البحارة الأشداء الذين كانوا يربطون الحبال ببراعة ورعونة. “صُورُ الْعَذْرَاءُ” كانوا يسمونها. بدت له فجأة كعذراء مغرورة تتزيَّن بذهب الأمم وتظن أن جمالها دائم. سمع في أذنه الداخلية، وكأن الريح تحملها، بقية كلمات العجوز: “اسْمَعِي يَا سُكَّانَ الْجَزِيرَةِ! سَكَتَتِ صَيْدُونُ… هُوَذَا أَرْضُ الْكِلْدَانِيِّينَ. لَيْسَ هَذَا الشَّعْبُ. أَشُورُ أَسَّسَهَا.” ماذا يعني أن أشور ستصنع بها شيئاً؟ أشور البعيدة؟ إنها مملكة برية، وما للماء والسفن عندها؟
مرت أيام، ثم أسابيع. بقي القلق رفيقاً لحيرام. بدأ يلاحظ أشياء. سعر الصباغ الأرجواني تراجع قليلاً. تجار من قبرص تحدثوا عن منافسة جديدة من مستعمرات يونانية. رياح التجارة، كرياح البحر، قد تتغير. ثم جاء الخبر الأول، كصاعقة في يوم صاف. رسول وصل من سفينة متعبة، وجهه شاحب من التعب والرعب. تجمع التجار في السوق الكبير، وأخبرهم، بصوت أجش، أن سفناً من ترشيش قد تعرضت لهجوم في البحر الأبيض المتوسط. لم يكن قراصنة عاديين. كانوا منظمين، وكأنهم ينتظرونها. “خَرِبَتْ سُفُنُ تَرْشِيشَ” هتف أحد الحاضرين مذعوراً، مذكراً الجميع بنبوة المجنون.
وبعدها، كسلسلة لا تتوقف، بدأت الأخبار السيئة تتدفق كمد البحر. سمعوا أن طرقاً برية قد أُغلقت. أن ممالك الداخل تتحارب. أن تجارة القوافل تعطلت. ثم وصل النبأ الأفظع: الجيوش تتحرك. ليست جيوش أشور، بل جيوش من بابل، من تلك الأرض التي قال عنها النبي: “أَرْضُ الْكِلْدَانِيِّينَ”. كان اسمها نبوخذ نصر. حاصر جيشه صيدون أولاً، المدينة الأم، الشقيقة. وقعت صيدون سريعاً، كشجرة أَرْز عظيمة يقضّ عليها السوس من الداخل. “سَكَتَتْ صَيْدُونُ” كما قيل.
والآن، تقف صور وحدها. جزيرة في مواجهة إمبراطورية. حيرام، كغيره من الرجال، حمل سيفه ووقف على الأسوار. لكن الحصار لم يكن كأي حصار. كان حصار صبر. أشهر تمر. سفن صور لا تستطيع الخروج أو الدخول. المخازن التي كانت تئن بالبضائع تفرغ شيئاً فشيئاً. رائحة الصباغ الأرجواني اختلطت برائحة الخوف والجوع. كان البابليون لا يهاجمون، بل ينتظرون. يخنقون الجزيرة ببطء.
وفي إحدى الليالي المقمرة، وقف حيرام على السور، ينظر إلى معسكر الأعداء على الشاطئ، مشاعلهم كنقط نار لا تحصى. سمع صوتاً خافتاً يغني. كانت إحدى النساء، في المدينة المحاصرة، تردد أغنية قديمة عن صيدون. أغنية حزن. ففهم فجأة كلمات النبي التي كانت غامضة: “اِسْتََيْسِرِي يَا بِنْتَ تَرْشِيشَ، لأَنَّ نِطَاقَكِ قَدْ انْحَلَّ.” لم تكن بنت ترشيش مدينة، بل كانت السفن، روح صور. والنطاق الذي انحل هو حزام التجارة، شبكة الطرق والأمان التي جعلت من صور سيدة البحار. لقد انقطع الخيط.
استمر الحصار ثلاث عشرة سنة. ثلاث عشرة سنة من الترقب واليأس. رأى حيرام شعره يشيب، ورأى عيني ريما، التي صارت فتاة يافعة، تفقدان بريقهما. ثم، في يوم كئيب، حيث كانت السماء منخفضة ورمادية كالرصاص، جاء الضربة الأخيرة. لم تكن اقتحاماً، بل استسلاماً من الداخل. لقد نضب كل شيء: الطعام، الأمل، الإرادة. دخل نبوخذ نصر منتصراً. لم يحرق المدينة فوراً، لا. كان أدهى من ذلك. أمر بنقل السكان، حرفياً، إلى بلاده. رجال ونساء وأطفال، يتعثرون على الجسور المؤقتة من الجزيرة إلى البر، مثل قطعان غنم تذهب إلى الذبح.
وقف حيرام بين الجموع المأسورة، ممسكاً بيد ابنته. كان ينظر إلى الوراء، إلى البيوت الفاخرة، إلى المعابد، إلى الميناء الخالي الآن إلا من حطام سفن قليلة. تذكر صوت النبي: “وَتَكُونُ صُورُ مَوْضِعَ صَيْدٍ لِلصَّيَّادِينَ… وَيَكُونُ بَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً أَنَّ الرَّبَّ يَتَعَهَّدُ صُورَ.” سبعون سنة؟ إنها حياة كاملة. بل أكثر من حياة.
ساروا على الطرق الترابية، بعيداً عن البحر. وحين التفت للنظرة الأخيرة، رأى دخاناً يرتفع من المدينة. ليس دخان حريق كبير، بل دخان موقد صياد. نعم، صياد بسيط، أشعل ناره في أنقاض قصر كان يوماً من أملاك تجار. لقد تحققت الكلمة. صارت صور مكاناً للصيادين ينشرون شباكهم على صخورها ليجففوها. وانكسر في صدر حيرام شيء أخير. لم يكن مجرد حزن على ثروة ضائعة أو بيت ضائع. كان إدراكاً فاجعاً أن كل مجد الإنسان، إن لم يكن مؤسساً على شيء أقوى من البرونز وأثمن من الصباغ الأرجواني، فإنه يتبخر كالضباب عند شروق شمس القضاء. واندفع من أعماقه صلاة صامتة، ليس لإله صور، بل لله الذي أرسل النبي الغريب، كلمة أخيرة قبل السقوط: “لِيُعْطِ الْقَصَاءَ لِلْمُتَكَبِّرِينَ.”




