الكتاب المقدس

رؤيا دانيال على نهر الخابور

كان الجوّ غريباً ذلك اليوم على ضفاف نهر الخابور في بابل. لم يكن الظلام داجياً، بل كأن ضوءاً شاحباً يتسلل من خلال ثقوب في ستار السماء، ضوء لا ينير العينين بل يثير الوجل في الأعماق. كان دانيال الشيخ يجلس على حجر أملس بجوار المياه الهادئة، لكن قلبه كان ثائراً كبحر في عاصفة. الأيام الأخيرة كانت ثقيلة عليه، وكأن الهواء نفسه حاملاً همسات من عالم آخر.

كانت الرؤى التي سبقت، تلك الوحوش العظيمة والقرون الصارخة، قد تركته في حالة من الترقب الممزوج بالترهب. وفي تلك الساعة، حيث صمت العالم وكأن الطيور حبست أنفاسها، رأى اثنين وقفا على النهر، واحد على شطّ هنا والآخر على الشط المقابل. وكانت أرديتهما كالبرق، ووجوههما كلمعان النحاس المُحمى. ثم سمع صوتاً، لا من الأرض ولا من السماء، بل كأنه يخرج من بين حجري الطاحونة القديمة، صوتاً عميقاً هادراً قال: “إلى متى النهاية والعجائب؟”

ورأى الثالث، فوق مياه النهر، لابساً الكتان ووسطه ممنطق بذهب أوفاز. جسده كالعقيق، ووجهه كالبرق، وعيناه كمشاعل نار، وذراعاه ورجلاه كلمعان النحاس المصقول، وصوته كصوت جماهير. فخار دانيال وقام على ركبتيه، والرعدة تملك مفاصله.

فقال الرجل لآخرَين: “كم الوقت إلى انقضاء العجائب؟” فسمع دانيال الرجل المُلتحف بالكتان وهو يرفع يمينه ويساره نحو السماء ويحلف بالحي إلى الأبد: “إنه إلى وقت وزمان وأزمنة ونصف زمان. فإذا تمّ تفتيت شعب القداسة يتمّ كل هذا.”

حاول دانيال أن يفهم، لكن الكلمات كانت ثقيلة كالحجارة، تسقط في أعماقه وتحدث دوياً لا يهدأ. سأل، وصوته خافت كحفيف أوراق الشجر: “يا سيدي، ما آخر هذه الأمور؟”

فنظر إليه الرجل بعينين تشعان بنور معرفة مؤلمة، وقال: “اذهب يا دانيال، لأن الكلمات مختومة ومختومة إلى وقت النهاية. كثيرون يتطهرون ويبيضون ويمحصون. أما الأشرار فيعملون الشر ولا يفهم أحد الأشرار، لكن الفاهمون يفهمون.”

كان الكلام كالسكين يقطع شغاف قلبه. ثم تابع الرجل، وكلماته الآن تهبط كالندى الثقيل: “ومن الوقت الذي يُرفع فيه الدائم، وتوضع رجاسة الخراب، ألف ومئتان وتسعون يوماً. طوبى لمن ينتظر ويبلغ ألفاً وثلاث مئة وخمسة وثلاثين يوماً. أما أنت، فاذهب إلى النهاية. فإنك تستريح وتقوم لقرعتك في آخر الأيام.”

وبينما كان الكلام يخرج من فمه، حدث ما لا يمكن وصفه. لم تكن هناك هزة أرضية، ولا ريح عاتية، بل صمت مفاجئ التهم كل الأصوات. ثم رأى دانيال، كأن ستارة السماء قد انشقّت للحظة، مشاهد تختلط فيها الأزمنة: أرض تئن تحت وطأة حروب لم ير مثلها، وأناس يتساقطون في الشوارع كأوراق الخريف، ثم نور عظيم يغمر الوجود، ويقوم من تراب الأرض، بعض للحياة الأبدية، وبعض للعار والرعب الأبدي. والعلماء يلمعون كضياء الجلد، وكالكواكب إلى أبد الآبدين.

ثم انطبق المشهد. كان دانيال وحيداً على شاطئ النهر. الماء يجري بهدوء كما كان، والطير عاد يغرد في البعد. لكن العالم لم يعد كما كان. كانت الكلمات محفورة في روحه، كالنار على لوح حجري.

بقى أياماً صامتاً، لا يقوى على الأكل ولا الشراب. كان وجهه شاحباً، وعيناه تنظران إلى أبعد من حدود بابل، إلى نهاية كل شيء. حاول أن يكتب ما رأى، لكن المعنى كان يفلت منه كالزئبق. كانت الأسرار مختومة، حتى عنه هو نفسه. فهم فقط أن الطريق طويل ومؤلم، مليء بالتطهير والامتحان، وأن النهاية، رغم هولها، هي غاية الانتظار والأمل لمن ثبت.

ومات دانيال في بابل، بعيداً عن أورشليم، حاملاً في صدره سرّ النهاية. ودُفن في تراب المنفى، بانتظار اليوم الذي سيقوم فيه لقرعته، حيث تُكسر الأختام، ويُفهم كل كلمة، ويستريح التعبيرون في نور الأبدية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *