كان الليل يلفُّ الهيكل بسكونٍ ثقيل، كأنما حجابٌ من ظلامٍ دامسٍ قد أُسدل على حجارةِ الساحة الباردة. لم يكن سوى وهجِ مصباحٍ زيتيٍ واحدٍ يتأرجح خلف ستائر قدس الأقداس، يلقي بظلّ طويلٍ ومتذبذبٍ لرجلٍ جاثٍ على ركبتيه. كان عازريا الكاهن، شيخٌ تجاوز الستين، يتصبّب جبينه عرقاً بارداً، ليس من حرارةٍ، بل من ثقلٍ في قلبه أشبه بحجر الطحن.
لم تكن الصلاة تخرج من شفتيه. كانت حنجرته جافةً كالظلال. نظر إلى يديّـه الممدودتين أمامه، وكأنه ينتظر أن يرى شيئاً ما، علامةً ما. لكن لم يكن هناك سوى الذبائح التي قدّمها هو وإخوته الكهنة في النهار. ذبائحٌ كان رائحتها لا تزال عالقةً في ثيابه الكتانية، رائحة لحم محروق ودهن. لكنها رائحةٌ كانت، في أعماقه، تختنق بها نفسه. فقدّموا للرب ما أُصيب بعرجٍ أو عمى، ما تهرّأ من الغنم، ما كرهته أنفسهم. كانوا يقولون: “مائدة الرب محتقرة”. وكان هو يقولها أيضاً، بصوتٍ خفيض، مبرراً: “الشعب فقير، والجزية قليلة، والعبء ثقيل”.
وفي ذلك السكون، حيث لا صوت إلا حفيف الليل البعيد، بدا له وكأن ستار القدس يتحرّك من غير ريح. لم يكن رعباً، بل فجوةً في صدر العالم، تطلّ منها كلماتٌ لم تكن تُسمع بالأذن، بل كانت تُنقش مباشرةً على لوح قلبه المتيبس.
“أحببتُكم، يقول الرب”. هكذا بدت الكلمات، بسيطةً كضربةِ نور، ثقيلةٌ كجبلِ موريا. “أُحببْتُكم”. ثم جاء السؤال، كسيفٍ ذي حدين: “فأين إكرامي؟”
ارتعش عازريا. أدار وجهه المليء بتجاعيد السنين والروتين المقدس نحو الظلمة. كان الكلام يستمر، ينزل عليه كقطرات ماءٍ على صخرٍ حارّ في قيظٍ: “إن كنتم تقولون: بمَ أهنأناك؟ فبأنكم تقولون: مائدة الرب محتقرة. وإن قدّمتم أعمى ذبيحة، أليس ذلك شرّاً؟ وقدّمتم أعرجَ وسقيماً، أليس ذلك شرّاً؟ قرّبه لواليك، فهل يرضى عنك؟”
كانت كلمات النبوة التي تلقّاها ملاخي من قبل، تعود الآن حيّةً، تلاحقه في قدس الأقداس نفسه. رأى بعين عقله الربّ، ربّ الجنود، يقول لهم: “ليت أحدكم يسدّ الأبواب”. لماذا؟ “لكي لا توقدوا على مذبحي عبثاً”. العبث. الكلمة علقت في حلقه كشوكة. كلّ تلك السنين، كلّ تلك الذبائح، كلّ تلك الطقوس… عبث؟
ثم جاءت المقارنة التي مزّقت ما تبقّى من ستار التبرير في نفسه: “لستُ برضاكم، يقول رب الجنود، ولا أقبل تقدمَةً من أيديكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها، عظيمٌ اسمي بين الأمم، وفي كلّ مكانٍ يُبَخَّرُ لاسمي وتقدمةٌ طاهرة”. صورٌ من أقاصي الأرض، من شعوبٍ لا تعرف ناموسه، وهم يطلبون إلهه بقلبٍ واحد، بينما هم، أبناء العهد، يقدمون الفضلات.
لكن الضربة الأقسى كانت تذكّر النعمة الأولى: “أحببتُ يعقوب، وأما عيسو فأبغضته”. لم يكن الأمر استحقاقاً. لم يكن يعقوب أفضل. كانت المحبة هبة مجانية. وكانت تلك الهبة هي التي جعلت الإساءة الآن أشدّ مرارة. لقد استهانوا بالمحبة. استهانوا هو بالذات. بكى عازريا فجأة، دموعاً حارقةً صامتة، لأن النبوة واصلت ترديد ما قاله الناس، ما قاله هو في سريرته: “هوذا من تعبنا! وقد نفختم فيه”. أي نعم، لقد رأوا خدمة الهيكل تعباً، وواجباً ثقيلاً، فَـنَفَخوا عليها ازدراءهم.
استمرّ الحوار الإلهي يتردد في جنبات القدس الخالية: “وإذا قدّمتم المسروق والأعرج والسقيم، أفأقبلها من يدكم؟ يقول الرب. ملعونٌ المخادع، الذي في قطيعه ذكرٌ، وينذر ويذبح للرب رديئاً!”
تذكر عازريا ذلك الرجل الغني، حننيا، الذي جاء في الأسبوع الماضي بشاةٍ سمينةٍ سليمة، ونذرها، ثم في يوم الذبح، استبدلها بشاةٍ عجفاءَ مهزولة، وأبقى السمينة لنفسه. وكان عازريا قد قبل الذبيحة الرديئة، وباركه، مقابل هبةٍ صغيرةٍ من الفضة دسّها الرجل في يده. ملعونٌ المخادع. لكن اللعنة، ألم تكن عليه هو أيضاً، الكاهن الذي أغضى الطرف؟
نهض من جثوته، وكأن ركبتيه من حديد. مشى ببطءٍ إلى المذبح النحاسي في الخارج. رماد الذبائح الباردة كان متراكماً. نظر نحو الشرق، حيث بدأت حمرة الفجر الأولى تشقّ الظلمة. من مشرق الشمس إلى مغربها… اسمه عظيم. وهنا، في مكان اسمه العظيم، في بيت يقال له بيته، كانوا يحتقرونه.
التفتّ نحو المدينة النائمة. سمع في روحه صوت الربّ يقول، كما في خاتمة الفصل: “إني مَلِكٌ عظيم، يقول رب الجنود، واسمي مهيبٌ بين الأمم”. لقد نسوا عظمة من يخدمون. نسوا المهَابَة.
عرف في تلك اللحظة، أن النبوة لم تكن لمجرد توبيخٍ قديم. كانت رسالةً حيةً، سيفاً يفصل بين العبادة الحقيقية والطقوس الفارغة. ربما لن يتغير الكهنة جميعاً. ربما سيستمر الكثيرون في خداع أنفسهم. لكنه، عازريا، لن يستطيع بعد الآن. الرديء لن يكون مقبولاً. المائدة لم تعد محتقرة في عينيه. لأن الذي يجلس عليها، كما تذكّر فجأة، هو الرب.
نزلت أولى أشعة الشمس الذهبية على جبين الهيكل، فبدا كأنه يتوهج من الداخل. كان النهار قد أقبل. وكان على عازريا أن يستعدّ لذبائح الصباح. لكن شيئاً ما قد تغير. كان ثقلاً قد زال، وحملاً جديداً، ثقيلاً وحلوًا، قد حلّ محلّه: عبادةٌ من قلبٍ قد تذكّر، أخيراً، من هو الذي كان يُقدم له الذبيحة.




