الكتاب المقدس

الوحدة في التنوع: مواهب الروح في جسد المسيح

في مدينة كورنثوس، حيث كانت الكنيسة الناشئة تتعلم وتنمو في الإيمان، كتب الرسول بولس رسالة مليئة بالتعاليم الروحية العميقة. وفي الإصحاح الثاني عشر من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، أراد أن يوضح لهم أهمية الوحدة في التنوع، وكيف أن الروح القدس يعمل في كل مؤمن لبناء جسد المسيح.

بدأ بولس حديثه بقوة، قائلاً: “أُريدُ أَنْ تَعلَمُوا، أَيُّها الإِخوَة، أَنَّ المَوَاهِبَ الرُّوحِيَّةَ الَّتِي نِلْتُمُوهَا هِيَ مِنَ اللهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ جَمِيعُ النَّاسِ لَهُمْ المَوهِبَةُ نَفْسُهَا.” كانت كلماته تتردد في أذهان المؤمنين، وكأنها نسمة روح قدس تلامس قلوبهم.

ثم شرع بولس في شرح كيف أن الروح القدس يعطي مواهب مختلفة لكل شخص حسب مشيئة الله. قال: “لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلمَنْفَعَةِ.” فالبعض أعطاهم الله موهبة الحكمة، وآخرون موهبة المعرفة، وبعضهم الإيمان، وآخرون موهبة شفاء الأمراض، أو عمل المعجزات، أو النبوة، أو التمييز بين الأرواح، أو التكلم بألسنة مختلفة، أو تفسير تلك الألسنة.

كان بولس يريد أن يفهم المؤمنون أن هذه المواهب ليست للتفاخر أو التباهي، بل لخدمة بعضهم بعضًا وبناء الكنيسة. قال: “فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الجَسَدَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الجَسَدِ، مَعَ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ، هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذَلِكَ المَسِيحُ أَيْضًا.” كانت هذه الصورة الجسدية قوية ومؤثرة، حيث أراد بولس أن يوضح أن الكنيسة هي جسد المسيح، وكل عضو فيه له دور مهم.

ثم تابع بولس قائلاً: “لأَنَّ الجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا، بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ. إِنْ قَالَتِ القَدَمُ: إِنِّي لَسْتُ يَدًا، فَلَسْتُ مِنَ الجَسَدِ، أَفَلِهَذَا السَّبَبِ لَيْسَتْ مِنَ الجَسَدِ؟ وَإِنْ قَالَتِ الأُذُنُ: إِنِّي لَسْتُ عَيْنًا، فَلِهَذَا السَّبَبِ لَيْسَتْ مِنَ الجَسَدِ، أَفَلِهَذَا السَّبَبِ لَيْسَتْ مِنَ الجَسَدِ؟” كانت هذه الأمثلة توضح أن كل عضو في الجسد له وظيفة مختلفة، ولكن جميعها ضرورية لسلامة الجسد كله.

ثم أكمل بولس: “بَلْ بِالحَرِيِّ الأَعْضَاءُ الَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ. وَالأَعْضَاءُ الَّتِي نَحْسِبُهَا أَقَلَّ كَرَامَةً، نُلْبِسُهَا كَرَامَةً أَفْضَلَ. وَالأَعْضَاءُ الَّتِي هِيَ قَبِيحَةٌ عِنْدَنَا، لَهَا جَمَالٌ أَفْضَلُ.” كان بولس يريد أن يعلم المؤمنين أن الله يعطي قيمة لكل عضو في الجسد، حتى تلك التي قد تبدو أقل أهمية في نظر البشر.

ثم ختم بولس حديثه بقوة، قائلاً: “فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ جَسَدُ المَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا. وَقَدْ أَقَامَ اللهُ فِي الكَنِيسَةِ أَوَّلاً رُسُلاً، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، أَلْسِنَةً.” كان بولس يريد أن يعلم المؤمنين أن كل موهبة وكل دور في الكنيسة هو من الله، وأنه لا يوجد عضو في الجسد يمكن الاستغناء عنه.

وهكذا، كانت رسالة بولس إلى أهل كورنثوس تذكيرًا قويًا بأن الكنيسة هي جسد المسيح، وأن كل مؤمن له دور مهم في بناء هذا الجسد. وكانت كلماته تدفع المؤمنين إلى العمل معًا في محبة ووحدة، مستخدمين مواهبهم المختلفة لمجد الله وخدمة بعضهم بعضًا.

LEAVE A RESPONSE

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *