في الأيام التي كانت فيها أورشليم مدينة عظيمة، محصنة بأسوارها العالية وأبراجها الشامخة، كانت المملكة تتعرض لضغوط شديدة من الأعداء الذين أحاطوا بها من كل جانب. وكانت قلوب الشعب مليئة بالخوف والقلق، لأنهم رأوا جيوش الأعداء تقترب من مدينتهم المقدسة. في تلك الأيام، تنبأ النبي إشعياء بكلمة الرب، وحذر الشعب من عواقب اعتمادهم على قوتهم البشرية بدلًا من الاتكال على الله.
كانت أورشليم تعيش في حالة من الاضطراب والارتباك. فقد سمع الناس عن اقتراب جيوش الأشوريين، الذين كانوا معروفين بقسوتهم وقوتهم العسكرية. بدأ الناس يهرعون إلى أسوار المدينة، يحملون معهم المؤن والأسلحة، محاولين تحصين المدينة بأيديهم. كانوا يجرون الحجارة الكبيرة لسد الثغرات في الأسوار، ويجمعون المياه في الخزانات استعدادًا للحصار. لكن في خضم كل هذا الجهد البشري، نسوا أن يرفعوا عيونهم إلى السماء، وينظروا إلى الله، الذي هو مصدر قوتهم الحقيقية.
وفي وسط هذا الاضطراب، وقف إشعياء النبي في ساحة المدينة، وصاح بصوت عالٍ: “ماذا تفعلون؟ لماذا تعتمدون على قوتكم الضعيفة وتنسون الرب إلهكم؟ ألم تروا كيف أنقذكم من قبل عندما كانت الأخطار تحيط بكم؟ ألم تسمعوا عن معجزاته العظيمة التي صنعها لأجل آبائكم؟”
لكن الشعب لم يصغِ لكلام إشعياء. بدلًا من ذلك، استمروا في بناء التحصينات وجمع المؤن. حتى أنهم أخذوا يضحكون ويفرحون، قائلين: “لن نهتم، فلدينا ما يكفي من الطعام والماء، ولن يتمكن الأعداء من اختراق أسوارنا.” لكن إشعياء نظر إليهم بحزن عميق، لأنه عرف أنهم قد نسوا الله، واعتمدوا على أنفسهم.
ثم تابع إشعياء كلامه، وقال: “في هذا اليوم، بدلًا من أن تبكوا وتتوبوا عن خطاياكم، تراكمون الحجارة وتجمعون المياه. بدلًا من أن ترفعوا أصواتكم بالصلاة، ترفعونها بالضحك والفرح. لكن اعلموا أن هذا الفرح سيزول، وأن هذا الضحك سيتحول إلى بكاء. لأن الرب يقول: ‘إن هذا الإثم لن يُغفر لكم حتى تموتوا.'”
ثم أضاف إشعياء: “أنتم تثقون في خزاناتكم المليئة بالماء، وفي أسواركم القوية، لكنكم تنسون أن الله هو الذي يحفظ المدينة. أنتم تبنون بيوتًا لأنفسكم، وتنحتون قبورًا لأنفسكم، لكنكم تنسون أن الحياة والموت بيد الرب. أنتم تتفاخرون بقوتكم، لكنكم تنسون أن القوة الحقيقية تأتي من السماء.”
وفي النهاية، تنبأ إشعياء بدمار قادم، وقال: “سيأتي يوم تُزال فيه كل هذه التحصينات، وتُهدم الأسوار، وتُفرغ الخزانات. وسيعلم الجميع أن الإنسان لا يستطيع أن ينقذ نفسه بقوته، بل بالاتكال على الرب.”
وهكذا، كانت كلمات إشعياء تذكيرًا قويًا للشعب بأن الله هو مصدر الأمان الحقيقي، وأن الاعتماد على الذات يؤدي إلى السقوط. لكن للأسف، لم يصغِ الشعب إلى هذه الكلمات، واستمروا في طريقهم الذي قادهم في النهاية إلى الدمار.
فليكن هذا درسًا لنا جميعًا، أن نضع ثقتنا في الله، ونعتمد عليه في كل ظروف حياتنا، لأنه هو وحده القادر أن يحفظنا ويخلصنا.




