دروس من دمار صور المتغطرسة
كان البحر هادئاً ذلك المساء، كأنما يحتجب عن نذر المصير. وكانت صور، تلك العروس الفينيقية المتغطرسة، جالسة على عرشها من الصخر، تطل على مياه الزرقاء اللامتناهية بثقة المالك الذي لا ينازع. من عَلُ، كانت أسوارها تبدو كقلادة من حجر أبيض،…
سقوط بابل: دينونة الرب
وكانت بابل كالجبل العظيم، القابع في سهول الزمان، ترفع رأسها إلى السماء متحدية. بيوتها من حجر أزرق، وقصورها من ذهب مكلل باللازورد، وجدرانها كالسلاسل الحديدية تحيط بمجدٍ يظن أنه أبدي. في شوارعها الضيقة، حيث الظل يلعب مع ضوء المصابيح، تختلط…
جرّة توفة المحطمة
كان اليوم ثقيلاً كأنما حُمِلَ كل رطوبه وحرارته من غور الأردن وطُوِّقَ به أورشليم. لم يكن حراً عادياً، بل كان كحميمٍ يتصبّب من جدران الحجارة البيضاء، لاصقاً بالجلد، ثقيلاً على الأنفاس. وإرميا، كان صدره يتمزّق من ثقل ما يحمله. لم…
يسّى: حب صامت يغير التاريخ
كان الشارع ضيقاً تعصف فيه رائحة التراب والزيتون القديم، وأنا جالس في ظل حائط متآكل، أتذكر. الذاكرة ثقيلة كحجر الرحى، ولكنها أحياناً تكون كل ما تبقى للإنسان. كان اسمه “يسّى”، أو هكذا كنّا نناديه بيننا، نحن القلة الذين تبعناه في…
رؤيا سقوط بابل
كان الليل ثقيلاً كرداء من رصاص، والريح الحارّة الآتية من البادية تحمل في ثناياها همسات غريبة، كأنها أنفاس آخر الزمان. كنت واقفاً على الشرفة العالية في بيتي بالجزيرة، وقد تسلّل القلق إلى أعماقي كسائل بارد. لم أستطع النوم. كانت النجوم…
حكمة تحت شمس واحدة
كان النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة فوق القرية، والغبار الذهبي للغروب يتخلل أوراق أشجار التين القديمة عند مدخل البيت. جلس حنا على مقعد من حجر، كفاه المتشققتان تبدوان كخريطة حياة طويلة. تذكر كيف كان، في صباه، يعدو خلف الريح، يحلم كأن…
نداء الحكمة في أزقة أورشليم
كان النهار يفترق عن جنح الليل، وتنساب خيوط الضباب الرقيقة بين أزقة أورشليم، حين بدأ الصوت يعلو. لم يكن كأصوات الباعة الذين يفرشون بضائعهم مع أولى نبضات الفجر، ولا كصراخ الأطفال المتسابقين إلى مياه النبع. كان نداءً غريباً، رخيماً، كأنه…
عود النهر إلى مجراه
كان الجوّ غبارياً ذلك المساء، وهو الغبار الذي يعلو وجوه العائدين من الحقول، فيمتزج بعرق الجباه وينزل مع ماء الوضوء الأول. وقف زكريا عند عتبة بيته الطيني، مستنداً على عصاه، ونظر إلى الأفق حيث تلاشت آخر خطوط الشمس الذهبية خلف…
صلاة عوبيد في ظل الظلم
كان الظّل يمتدّ في أزقة أورشليم، كأنه خيالٌ ثقيلٌ يرتمي على الحجارة البازلتية التي شهدت مجداً وغرباء. في حارة من تلك الحوارى، حيث رائحة الزيتون المطحون تختلط برائحة الفقر، كان عوبيد جالساً على عتبة بيته المتواضع، وكفاه المتشققتان تمسكان ركبتيه…
سلام الشيخ إيلياب في الصحراء
كان الشيخ إيلياب يجلس على صخرة عالية تُطلّ على مساحات الصحراء الممتدة، حيث يحمرّ الأفق أخيراً بعد نهار طويل حارق. كانت يداه المتجّرّتان تمسكان بعصا الرعاية القديمة، وعيناه الغائرتان تنظران إلى قطعان ماعزه وهي تتحرك ببطء نحو مكان الري. كان…









