في تلك الأيام، حين كانت مملكة يهوذا كغصنٍ هشّ بين أممٍ عاتية، ملك آسا بن أبيّا على أورشليم. وكانت السنوات الأولى من حكمه سنوات صمتٍ غريب، كالهدوء الذي يسبق العاصفة. لم تكن أمجاد سليمان قد زالت تمامًا من الذاكرة، لكنّ ظلّ الانقسام والعبادة الغريبة كان يُلقي ببرداه على التلال المحيطة بالمدينة. جلس آسا على كرسي أبيه وهو شابٌّ، تنازعه مخاوف الملوك وتوقهم إلى السلام.
وفي السنة الثالثة، استقرّت الروح في قلبه، فقام بعملٍ جريء. أرسل رسله إلى كل أرجاء يهوذا، من جبال حبرون إلى سهول اللخيش، وأمرهم أن ينقّوا الأرض. فهدموا التماثيل في الساحات الخفية، وقطعوا السواري من فوق المرتفعات، وكسّروا المذابح الغريبة التي كان الناس قد أقاموها تحت كل شجرة خضراء. وكان صوت ضربات المعاول على حجر البعل يتردّد في الوديان، كندمٍ مجسّد. وأمر أيضًا بتجديد مذبح الربّ الذي في رواق البيت، ودعا الشعب أن يطلبوا إله آبائهم، إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأن يسيروا حسب شريعته ووصاياه.
وحين رأى آسا أنّ الأرض قد هدأت بعض الشيء، لأنّ الربّ أمّن له السلم من كل الجهات، لم يغلبه الكسل. بل فكّر في قلبه: “السلام هبةٌ، ولكنْ من يحرس الهبة؟”. فبنى المدن المحصّنة في يهوذا، وأقام أبراجًا على الأسوار، وشيّد أبوابًا متينةً ذات عوارض من خشب الأرز. وحفر الخنادق حول المدن الكبيرة، وجعل فيها صهاريج ماء عظيمة، لعلّها تروي عطش المحاصرين يومًا ما. وجنّد كل رجل قادر على حمل السلاح، من بنيامين ومن يهوذا، حتى صارت جيوشه كرمال الساحل في الكثرة. وكان كلّ جندي يحمل ترسًا ورمحًا، ويتدرّب تحت حرّ الشمس، وهم يردّدون ترانيم النصر القديمة.
وكان هناك رجل يُدعى حناني، من الرؤساء القديمين، يمشي بين الصفوف أحيانًا ويقول: “لا تتعثّروا بكثرة عددكم. فكم من مرةٍ قلّ فيها العدد وكثُر النصر؟”. وكان آسا يسمع مثل هذا الكلام فيتأمّله في صدره.
وفي أحد الأيام، بينما كان آسا يتفقّد مخازن الأسلحة في مدينة مصّافة، أقبل عليه رسولٌ يلهث، ثيابه مغبّرة، وعيناه واسعتان من الفزع. فسقط على قدمي الملك وقال: “يا سيدي الملك، لقد عبر زارح الكوشي وادي الأردن بجيش لا يُحصى، ومعه مركباتٌ كثيرة جدًا، وهم الآن في مَرَشَة، على مسيرة أيام قليلة منا!”. وكان اسم مَرَشَة كالرعد في آذان الحاضرين، فهي بوابة الطريق إلى قلب المملكة.
ساد صمتٌ ثقيل في القاعة. ثمّ نظر آسا إلى وجوه قادة جيشه، فرأى الشحوب في بعضها، والتحدّي في بعضها الآخر. ولم يقل في الحال: “أعدّوا الخطّة”، بل أمر باجتماع الشعب كلّه في أورشليم. وصعد هو إلى الهيكل، ووقف في الساحة الأمامية حيث كان المذبح، ورفع صوته بالصلاة، وكانت صلوته بسيطةً خالية من الزخرف، كصلوات الرعاة في البرية:
“يا ربّ، ليس فارقًا بين من يُعين القليل ومن يُعين الكثير. فأنت إلهنا، لا تدع إنسانًا يتغلب عليك. ها نحن باسمك جئنا لنجابه هذا الجيش الغفير. يا ربّ، أنت إلهنا، فلا يقوى عليك إنسان”.
لم تكن صلوته طويلة، لكنّها نزلت على قلوب الشعب كالمطر على أرض محترقة. ثمّ توجّه بجيشه شمالًا، حتى وصلوا إلى وادي صفاة قرب مَرَشَة. وكانت أرض المعركة سهلًا مفتوحًا بين تلال منخفضة. وفي الصباح الباكر، بينما كان الضباب لا يزال لاصقًا بالأرض، رأى آسا جيش الكوشيين ممتدًا كجراد الظلام، ومركباتهم الحديدية تلمع تحت أول خيوط الشمس.
هنا، لم يعطِ آسا أمر الهجوم بسرعة. بل وقف مع حناني وبعض الشيوخ على مرتفع صغير، ونظروا إلى الأسفل. وكان حناني يقول بصوت خافت: “انظر يا مولاي، إنّهم يعتمدون على كثرة العدد وحدّة السلاح. أما نحن فاسم الربّ حصننا”. ثمّ رفع آسا يده، وأطلق صرخة الحرب التي كانت كلمة واحدة: “الربّ!”.
فهبطوا عليهم كالسيل. وكانت المعركة ضارية، لكن شيئًا غريبًا حدث. فقد بدأ الرعب يدبّ في صفوف الكوشيين، كأنّ قوّة غير منظورة تضرب في وسطهم. ففروا مُدبرين، وتبعهم رجال يهوذا حتى جرار، وهي بلدة قريبة من الساحل. وحطّموا كل ما حولهم من مدن، وغنموا غنائم كثيرة لا تُحصى، من غنمٍ وجمالٍ وآنية فضّة وذهب.
وعند عودتهم إلى أورشليم، اجتمع الشعب في تَعارِ، شمالي المدينة، وذبحوا للربّ من الغنائم، وقدّموا ذبائح الشكر. وكانت أصوات البوق والطنبور تملأ الوادي، وهم يسبّحون ويقولون: “دخلنا باسم الربّ، وبه انتصرنا”. وعاد السلام إلى الأرض، ولكن هذه المرة، كان سلامًا نابعًا من قلب شعبٍ أدرك أنّ النصر الحقيقي لا يكمن في قوّة الذراع، بل في الإيمان الذي يحرّك الذراع. وملك آسا بسلامٍ سنواتٍ طويلة، وكان قلبه مستقيمًا كل أيامه، يسعى في طريق الربّ، كساعي الفجر الذي لا يكلّ.




