الكتاب المقدس

نداء الشيخ فيلاس في الغروب

كان الجوّ يميل نحو الغروب، والهواء على التلال يُحملُ نسيمًا عليلاً، حاملاً عبقَ ترابٍ شَتَويٍّ ورائحةَ أشجارِ زيتونٍ قديمة. اجتمعوا حول الشيخ فيلاس في كرمِه الواسع، وهو جالسٌ على حجرٍ أملس، ظهرُه يستند إلى جذع شجرة تينٍ عتيق. كانت أيامُه قد قاربت على التسعين، ولكن عينيه ما زالتا تشعان ببريقٍ عميق، كنبعين لا ينضبان.

بدأ يتحدث، وصوته كخرير الماء على الحجارة، لا عَجَلَة فيه ولا تكلُّف.

“اسمعوا… اسمعوا فقط.” أطرق برهة، وكأنما يصغي لصوتٍ قادم من بعيد. “في البداية، قبل أن تُنسج خيوطُ هذا العالم، كان هناك الدعوة. دعوةٌ لا تُرد. ‘هَلُمَّ نَتَرَنَّمْ لِلرَّبِّ. نَهْتِفْ لِصَخْرَةِ خَلاَصِنَا.'”

توقف، ورفع يديه المتجعدتين نحو السماء التي بدأت تتوشح بلون الخوخ والذهب. “انظروا إلى هذه الجبال التي تحفُّ قرينتنا. هي ليست صُمَّاً، وإنما جوقةٌ صامتةٌ تمجد خالقها منذ الأزل. وهذا الوادي، إن أرهفتُم سمعكم في الليل، تسمعون همسَ أرواح الأنهار القديمة، التي تروي قصةَ العطاء الذي لا ينقطع.”

أحد التلاميذ، شابٌ نَحيلٌ يدعى إلياس، قال بنبرةٍ متسائلة: “لكن، يا معلم، ألسنا نحن من يجب أن يرفع التسبحة؟”

التفت الشيخ فيلاس إليه، وابتسم ابتسامةً حانيةً مليئة بتجاعيد الحياة. “أجل، يا بني. ولكن التسبحة ليست مجرَّد كلمات تُقال. هي حالةُ القلب. ‘لِنَأْتِ بِحَضْرَتِهِ بِشُكْرٍ. وَلِنَهْتِفْ لَهُ بِتَرَانِيمَ.’ هل تعلم لماذا؟” نظر في وجوههم واحدًا واحدًا. “لأنه هو. هو الإله العظيم. هو الملك على كل الآلهة. في يده قرارُ كلِّ جبلٍ شاهق، وفي كفه أغوارُ البحار. هو الذي جبلَ رأسياتِ الأودية، وصوَّتَ بجلالٍ فأُنشِئَت قممُ الجبال.”

ساد صمتٌ مطبق، لم يُكسر إلا بطنين نحلةٍ متأخرةٍ وحفيفِ أوراقٍ جافة. ثم استمر الشيخ، وصوته أصبح أكثرَ عمقًا، كأنه يتحدث من داخل بئر زمنٍ سحيق. “هو خالقنا. ونحن غنمه، قطيعه. نحن شعبه… الغنمُ التي ترعاها يده.” غمض عينيه. “يا ليتكم تسمعون صوته اليوم.”

تغيرت نبرته، فامتزجت بالحزن والحِدَّة. “لا تقسُّوا قلوبكم، كما في يوم مسَّة، وكما في يوم تجربة في القفر.” فتح عينيه، وكانتا تلمعان بدموعٍ مكبوتة. “أتذكرون القصة؟ آباؤكم، مع كل ما رأوه من عجائب، جَرَّبوني واختبروني. أربعين سنةً، ومشيتُ معهم في بريّة قاحلة، فكان جوابهم التذمّر والشك. ‘هَلْ يَرَى عَمَلِي؟’ قالوا في قلوبهم القاسية. ‘أَيُّهَا الرَّبُّ؟'”

ارتعش صوته قليلاً. “لذلك حلفتُ في غضبي: ‘لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي.’ الراحة، يا أولادي، ليست أرضًا من جناتٍ وعيون. الراحة هي الثقة. هي السَّكن في حضن اليقين. هم حرموا أنفسهم منها، لأن قلوبهم صارت كالحجارة، لا تستقبل نداء الحب، ولا تتأثر بلمسة النعمة.”

أشعل أحد التلاميذ مصباحًا زيتيًا صغيرًا، إذ خيّم الظلام سريعًا. أضواءٌ متذبذبة رسمت ظلالاً طويلة على وجوه الحضور. تنهّد الشيخ تنهيدةً طويلة، وكأنه يخرج منها ثقلَ الذكريات.

“القَلبُ القاسي، يا أبنائي، هو أسوأ السجون. يسجن صاحبه في فراغ القفر، مع أن أرضَ الموعد على مرمى بصره. يصمُّ أذنيه عن صوتِ النهر الذي يدعوه للشرب، ويُغمض عينيه عن عمود السحاب الذي يقوده نهارًا. فاحذروا.”

رفع إصبعه المتيبِّس. “لا تؤجِّلوا اليوم. ‘اليوم’ هو هذه اللحظة، وأنتم تسمعون كلمته. ‘اليوم’ هو نعمة الوقت الذي منحكم إياه ليلمس قلوبكم قبل أن تصير حجارة. التسبيح الحقيقي يبدأ من قلبٍ طريٍّ، مُستعدٍّ للسير حيث يقود، وليس حيث تشتهي الأهواء.”

سكت، وانحنى قليلاً إلى الأمام، كأن الجهد أتعبه. لم يقل شيئًا آخر. لكن صمته كان أبلغ من أي كلمة. كان صمتًا مملوءًا بحضورٍ مهيب، كالهدوء الذي يسبق الفجر في مكانٍ مقدس.

بعد حين، نهضوا واحدًا تلو الآخر، ومشوا في ظلام الليل الهادئ تحت ضوء النجوم الكثيفة. ولم يكن أحدهم يحتاج إلى الكلام. كان نداء الجبل، ونهر التسبيح، وخوف الفرصة الضائعة، قد تمازجت في أرواحهم، وصارت جزءًا من نبضهم. وكلٌ حمل في صدره ذلك السؤال القديم الجديد: كيف يكون القلب رخوًا ليسمع؟ وكيف تكون الترجمة الحية لترنيمة “هلم نرنم” في كل خطوة من خطوات الحياة؟

وظل صوت الشيخ فيلاس، كصدى بعيد، يتردد في آذانهم مع همس الريح بين أغصان الزيتون: “يا ليتكم تسمعون صوته اليوم.” وكانت هذه الكلمات، في ذلك المساء، مفتاحًا لقصةٍ جديدةٍ في قلوبهم، قصةٍ لم تكتمل فصولُها بعد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *