الكتاب المقدس

يونان والنبتة والعاصفة الداخلية

خرج يونان من نينوى، المدينة العظيمة التي نجاَتْ من الغضب المُعلَن، ولكنه كان يحمل في صدره عاصفةً أشدّ هولاً من تلك التي هدّدت سفينته ذات يوم. لم تكن رياحاً وأمواجاً، بل كانت ناراً من الخيبة والغضب تأكل أحشاءه. مشى شرق المدينة، لا يعرف وجهته، فقط يريد أن يبتعد عن ذلك المشهد الذي لم يطق رؤيته: رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ، أعداء شعبه منذ فجر التاريخ، يرتدون مسوح الرماد وينالون الغفران.

بنى لنفسه مظلةً هناك، على تلةٍ تُطلّ على السهل الواسع. جمع بعض الأغصان اليابسة وحجارةً من الأرض، وأقام له سقيفاً بدائياً لا يحجب إلا القليل من وهج الشمس. جلس تحته، والعرق يتصبّب من جبينه المُحرَق، وعيناه تشتعلان بنظرةٍ ثابتةٍ نحو تلك الأبراج البعيدة. “ألم أقل هذا يا ربّ؟” كان هَمْسُه يُشبه صوت احتكاك الحجارة الجافة. “أنا عارفٌ أنك إله رحيمٌ وحنان، بطيء الغضب وكثير الإحسان. لذلك هرَبتُ إلى ترشيش. لأني علمتُ أنك ستتراجع عن القضاء الذي نطقتَ به.” كان كلامه مع نفسه، ولكنه كان موجهاً إلى السماء الصافية التي لا سحاب فيها. “اقتلني الآن، يا رب. لأن موتي خيرٌ من حياتي على هذه الأرض التي شهدت خزيك.”

لم تأتِ إجابةٌ سوى حرارة الشمس التي ازدادت لظى. وكان الهواء ثقيلاً كرصاص. أغمض يونان عينيه، محاولاً أن يهرب إلى النوم، ولكن صور أهل نينوى وهم يبكون ويصومون كانت تطارده تحت جفنيه. نسي كلّ شيءٍ: العاصفة، والحوت، والصلاة في الأعماق. كلّ ما تذكّره هو أن كلمته أصبحت كلمةً باطلة. نبوءته تحطّمت على صخرة رحمة الله الواسعة التي شملت حتى أولئك البرابرة.

ثم، دون سابق إنذار، في ظهيرة اليوم التالي، لمسَتْ نعمةٌ غريبة جبينه المحترق. نظر إلى أعلى، فرأى نبتةً قد ارتقت سريعاً فوق مظلّته البائسة، وألقت بأوراقها العريضة الخضراء كأكفّ حانيةٍ تظلّل رأسه. لم يكن يعرف اسمها، فهي لم تكن من نباتات تلك الأرض القاحلة. كانت هبةً من العدم، اخضراراً مفاجئاً في قلب الجفاف. تنفّس الصعداء، وأحسّ بلذّة الظلّ الذي لفّ جسده المتعب. غمرته برودةٌ جميلة، وكأنّ الحنق الذي أحرق قلبه قد خمد قليلاً. استلقى، ولفّه نومٌ عميقٌ لأول مرة منذ أيام. ربّما، فكّر في لحظةٍ نصف واعية، ربّما هناك أمل. ربّما هذه علامة رضى.

لكن أملَ النبي لم يدم أكثر من يومٍ واحد. مع بزوغ فجر اليوم التالي، بينما كان لا يزال مُتمسكاً بذاكرة ظلّ الأوراق، أرسل الله دودةً. لم تكن دودةً عادية، بل كانت مُحكمة الصنع، صغيرةً وقاسية. زحفت في صمت، وانقضّت على ساق النبتة الغضة، قاضيةً عليها في ساعةٍ واحدة. وعندما ارتفعت الشمس، وهي كجمرةٍ عملاقة في سماءٍ بيضاء، أرسل الله ريحاً شرقيةً محرقة. لم تكن ريحاً عابرة، بل كانت كَنَفَسِ فرنٍ هائل. هبّتْ فجفت كلّ عرقٍ على جسد يونان، ولمعت الأرض تحته كالنحاس المصهور. انكشف رأسه تماماً، وضربته الشمس بسياطٍ من لهب. ذبلت النبتة الجميلة فجأةً وسقطت أوراقها كأنها لم تكن.

عندئذٍ عاد الغضب، ولكنه هذه المرة كان أعنف، لأنه تذوّق الراحة ثم سُلبت منه. انفجر يونان مرةً أخرى، وصار يطلب الموت لنفسه بتوقّد. “موتٌ لي خيرٌ من حياةٍ أراها!” صرخ في الفضاء الخالي.

فكان صوت الربّ، ليس في الرعد أو الزلزال، بل في سكينةٍ مُثقلةٍ بالحزن والاستعلاء. “أحسنتَ الغضب من أجل اليقطينة؟”

أجاب يونان وهو يلهث من الحرارة والألم: “أحسنت الغضب حتى الموت!”

فقال له الربّ، وكلماته تنزل كقطرات ندى على أرضٍ ملتهبة: “أنت تُشفق على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولا ربيتها، التي في ليلةٍ واحدةٍ طلعت وفي ليلةٍ واحدةٍ بادت. أما أنا فألا أُشفق على نينوى المدينة العظيمة، التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم، مع البهائم الكثيرة؟”

سكت يونان. لم تكن إجابة. بل كان صمتاً هائلاً ابتلع كلّ غضبه. نظر مرةً أخرى إلى المدينة البعيدة، التي كانت الآن تُغَطّى بغبار المساء الذهبي. رأى تلك الربوات من البشر، مثل قطيعٍ ضالٍ لا يعرف الطريق. رأى الأطفال يلعبون في الأزقة، والتجار يعدّون بضائعهم، والنساء يحملن جرار الماء. لم يعودوا صوراً مجرّدة لأعداء. كانوا كتلةً هائلة من الحياة المضطربة، الجاهلة، المتعبة. وكانت رحمة الله، مثل الشمس التي أحرقته، تغمرهم جميعاً دون استثناء.

بقيت النبتة اليابسة بجانبه، ساقها الأسود المقطوع يشير إلى السماء كإصعارةٍ. جلس النبي تحت الشمس المباشرة، لا يبني مظلةً أخرى. فقط جلس، والتفت حوله ريحٌ شرقيةٌ محرقة، ولكنه لم يعد يشعر بحرقتها بنفس الكثافة. كان يحترق بنارٍ أخرى أعمق. كانت نار الفهم الذي لا يُطاق.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *