الكتاب المقدس

خراب مدينة البحر العظيمة

كان البحر هادئاً ذلك الصباح، كمرآةٍ عظيمةٍ رصعت حوافها بلآلئ الضباب. وأنا، الشيخ العجوز، أجلس على الشاطئ الصخري حيث اعتدت أن أراقب، منذ زمنٍ بعيد، دبيب الحياة في أعظم مدن العالم. كانت صور أمامي، ولكن ليست صور التي أعرف. إنما هي ذكرياتها، أشباح مجدها، تطفو على سطح الماء الرقراق كبقايا خشب من سفينة غارقة.

أتذكر كيف كانت. ليست مدينة من حجر فقط، بل كانت فكرة متجسدة، حلماً صنعته أيادي البشر وإرادة البحر. بنوها على صخرة في القلب من المياه، فكانت كخاتمٍ من العاج نُصِب في عرض المحيط. وكانت سفنها هي كلمات هذه المدينة، تتحدث بها إلى العالم كله. لم تكن السفن مجرد ألواحٍ وشراع، بل كانت تحفاً تسبح. صُنِعَت صواريها من أرز لبنان، الشامخ الأخضر، الذي كانوا يقطعون أعظم أشجاره منحدرات جبال سنير. وكانت تجلب أخشاب البلوط من باشان لتصنع مجاديفها، التي تتلألأ بطبقة من العاج الغالي كأنها أضلاع وحشٍ مقدس.

وأبناء يوانيا، أولئك البحارة القادمون من جزر البحر البعيدة، كانوا هم من يقود هذه الجوارح الخشبية عبر موجات الزمن. كانوا يصلحون صدوعها بخبرة كاهنٍ يصلح نفساً مبتلاة. وتجار صيدون وأرواد، القابعين في أبراج المراقبة العالية، كانوا يقرأون النجوم والرياح كما يقرأ الكتبة درجات الناموس.

وجنود بيروت، الأشداء كالبلوط، كانوا يحرسون متاريس السفن، مسلحين بتروسٍ من البرونز المصقول وبقلوبٍ لا تعرف الخوف. وحكماء جبيل، شيوخ الحكمة القديمة، كانوا يجلسون في الظلال يفحصون حُزم الحبال والشرعان، كأنهم يفحصون خيوط نسيج الأقدار.

كانت تجارة المدينة نبضها، والذهب دماؤها. كان الذهب يأتيها من حفيل، مصهوراً في قوالب على شكل قلب الأسد. والفضة كانت ترد من ترشيش، مشغولةً بأوانٍ كاسية لبيوت الأمراء والكهنة. وكان الحديد من يونان، قوياً صلداً، يصنعون منه سلاسل المراسي التي تمسك بالأعماق. والقصدير… آه، القصدير كان يأتي من بعيد، من تَرْشِيش أيضاً، ليمزجوا به البرونز في أفران لا تنطفئ نيرانها.

والبضائع! كانت تتدفق إلى أسواقها كأنهار تفيض في الربيع. الجوخ الأزرق والأرجوان من ألواح أليشا، يرف على أكتاف التجار كسحاب مسائي. والسجاد الموشى بخيوط الذهب، عمل بنات أرام، يبسط في قصور الملوك حيث تدوسه أقدامٌ ملكية. واللؤلؤ من أدوم، أبيض نقي، يشتريه الأمراء ليزينوا به أعناق زوجاتهم.

ولكن المدينة لم تكن تأخذ فقط، بل كانت تعطي. كانت تبيع العسل وزيت البلسان، وخمر هيلبون الذي كان يشربه الملوك في أبهائهم. والصوف من مِصْر، ناعماً كغيمة، كان يحيك منه نساجو صور أثواباً لا تضاهى. والبخور… كان البخور يأتي من سبأ، رائحته تملأ المرفأ فتحسب أنك في هيكل عظيم مفتوح الأبواب.

وكانت أصوات المدينة سمفونية لا تنتهي. قرع المطارق في ورش السفن، وصراخ التجار في السوق، وتراتيل البحارة وهم يعدون للإبحار، وصلاة الكهنة على الشاطئ طالبين الحماية من إله البحر. وكان ضجيج الحياة يمتزج مع صوت الأمواج في لحن واحد.

لكن البحر، أيها السامعون، لا يبقى هادئاً إلى الأبد. والبحر يعرف أن كل ما يبنيته أيادي البشر هو رهن بإرادته. جاء اليوم الذي هبّت فيه الرياح الشرقية، رياح القضاء، عاتيةً قاسية. لم تكن رياحاً عادية، بل كانت أنفاس الزمن نفسه، تحمل في صفيرها نذير الفناء.

رأيت السفن العظيمة، تلك الجبال الخشبية التي كانت تسبح، تهتز كأوراق الخريف. وانكسرت الصواري الأرزية، تلك التي قطعت من جنبات لبنان، وكأنها أعواد قصب. وسقط الجنود من على المتاريس، جنود بيروت الأشداء، فغاصوا في الأعماق كحجارة. وتحطمت الأواني الفضية، وتناثر الذهب في الماء، فلم يعد يلمع تحت الشمس.

والتجار، أولئك الأمراء الذين كانوا يسيرون في الأسواق كالملوك، صاروا يصرخون على الشاطئ، ووجوههم مشوهة بالرعب والرماد. ونساء صور، اللواتي كن يتزين باللؤلؤ والأرجوان، جلسن على التراب ووضعن الرماد على رؤوسهن.

والآن، بعد كل هذه السنين، أجلس هنا. البحر هادئ مرة أخرى. ولكنه لم يعد يحمل سفناً، بل يحمل ذكريات فقط. أحياناً، عندما تغرب الشمس، أظن أنني أرى أشباح الصواري على الأفق، أو أسمع صدى قرع المطارق. لكنه مجرد خيال. فالمدينة التي كانت يوماً نبض العالم، صارت قصة يُحكى عنها على الشاطئ، تحذيراً للذين يبنون مجدهم على الماء. لأن الماء، في النهاية، لا يحفظ إلا أسراره هو. والبحر لا يملك ذاكرة، إنما النسيان هو ملكه الأوحد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *