كان الظلام يبدأ في التخلخل، ذلك الظلام الثقيل الذي يسبق الفجر مباشرة. كانت نسوة قليلات يتقدمن على الطريق الوعر المؤدي إلى القبر، حاملات أطياباً في أيدٍ مرتعشة. كانت مريم المجدلية في المقدمة، عيناها متورمتان من البكاء، لكن إصراراً غريباً يدفع خطاها. هواء الجبل كان بارداً لاذعاً، ينفذ عبر ثيابهن الخفيفة، لكن الحرارة التي في صدورهن من شدة الحزن كانت أقوى.
وصلن إلى المكان، إلى ذلك الكهف المنحوت في الصخر الذي وضعوا فيه جسده. كان الحجر كبيراً، ضخماً، ثقيلاً، قد دحرجوه على مدخل القبر بأمر من الحاكم نفسه. وقفن للحظة، يتطلعن إلى الكتلة الحجرية التي تفصلهن عنه. كيف سيدحرجن هذا الحجر؟ سؤال عبثي علق في الهواء بينهن.
وفجأة، دون مقدمة، حدثت هزة. لم تكن هزة أرضية عادية، بل ارتعاشة عميقة تَمَدَّدت من تحت أقدامهن وصعدت إلى عظامهن. ارتفع نظر مريم عن الحجر، فرأت ما جعلهما تتراجعان إلى الوراء مرتعدتين. كان الحجر قد دُحرج! ليس على جانبيه، بل مبتعداً تماماً عن فم القبر، وكأن يداً غير مرئية دفَعَته بعنف. وكان هناك جالساً على الحجر… رجل.
لا، لم يكن رجلاً. كانت هيئته كالنور، ولباسه أبيض كالثلج النقي الذي لم تلمسه قدم. شعاع النهار الأول اصطدم به فتناثر كالشرار. كان وجهه كالبرق، ولم يكن بالإمكان النظر إليه مباشرة، لكن القوة والسلام اللذين انبثقا منه كانا محسوسين كحرارة النار. حراس الرومان، أولئك الجنود المشهورون بصلابتهم، كانوا يرتعدون كالأوراق في مهب الريح، ثم سقطوا على وجوههم كالأموات، عاجزين عن الحركة أو النطق.
قال الملاك للنساء، وصوته كان كخرير ماء هادئ وسط العاصفة: “لا تخفن أنتن. فإني أعلم أنكن تطلبن يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لأنه قام كما قال. هلما انظرن الموضع الذي كان الرب مضطجعاً فيه”.
تقدمت مريم بتردد، قلبهما يخفق كطائر محبوس. نظرت داخل القبر. كانت الأكفان الكتانية البيضاء مطويةً بنظام، موضوعةً في ناحية. وكان المنديل الذي كان على رأسه، موضوعاً منفرداً في ناحية أخرى، غير مطوٍ مع الأكفان. المكان كان فارغاً. فارغاً من الموت، مليئاً بغموض لا يُحَد.
ثم قال المائل لهن، ونداؤه يقطع صمت الفجر: “واذهبن سريعاً، وقلن لتلاميذه إنه قد قام من بين الأموات. ها هو يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه. ها أنا قد قلت لكن”.
فخرجن سريعاً من القبر، بخوف وفرح عظيم، راكضات ليخبرن تلاميذه. خطاهن على التراب كانت خفيفة وسريعة، والفرح الذي بدأ يفتح مثل برعم في صدورهن يتناقض مع رعب المشهد الذي شهدنه. وهن يركضن، إذا بيسوع لاقاهن في الطريق.
وقف في ظل شجرة زيتون عند منعطف الطريق. لم تتعرف عليه مريم في الحال. ربما لأن دموعها حجبت عينيها، وربما لأن نور الفجر كان خلفه. نادى اسمها: “مريم”. صوت واحد، كلمتان. فالتفتت إليه وقالت: “ربُّوني!” لأنها عرفت ذلك النبرة، ذلك النداء الذي يخترق الضباب والألم.
قال لها يسوع: “لا تلمسيني، لأني لم أصر بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم”.
فجأة، لم تعد الركضات ثقيلة. حملت مريم المجدلية والنسوة معها النبأ. دخلن المدينة بوجوه متوهجة بالسر الذي لا يُحتمل. وجدن التلاميذ مختبئين في العلية، أبوابها مغلقة خوفاً. وعندما نقلت إليهن الكلام، بدا عليهن الذهول أولاً، ثم التشكك، ثم بذرة الأمل التي لا تريد أن تنمو خوفاً من أن تُسحَق.
في الوقت ذاته، كان بعض الحراس الذين أفاقوا من ذهولهم قد ذهبوا إلى المدينة أيضاً. لكنهم ذهبوا إلى رؤساء الكهنة، وحكوا ما حدث. اجتمع الشيوخ في حيرة وقلق. بعد مناقشة، جمعوا مالاً كثيراً وأعطوه للجنود، قائلين: “قولوا إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام. وإذا سمع الوالي هذا نستميله ونصيِّركم غير مُهتمِّين”.
أخذ الجنود الفضة، وفعلوا كما عَلِّموا. وانتشرت هذه الكلمة بين اليهود إلى اليوم.
أما التلاميذ الأحد عشر، فذهبوا إلى الجليل، إلى الجبل حيث وَعَدَهُم يسوع. صعدوا وهم يحملون في داخلهم خليطاً من الإيمان والشك، كما يحمل البحر الأمواج والهدوء معاً. وكان يسوع منتظراً لهم هناك. وقف على قمة ذلك الجبل، والريح تلفح ثيابه، ونوره لا يأتي من الشمس بل من ذاته. فلما رأوه، سجدوا له. ولكن بعضهم، في عمق قلبه، بقي يرتاب.
فتقدم يسوع، وكلمهم بكلام سَمَّرَهم في أماكنهم، كلامٌ أصبح منذ تلك اللحظة نبض العالم الجديد: “لقد دفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام، إلى انقضاء الدهر”.
ثم رفع يديه وكأنه يبارك الوجود كله، الجبال والوديان، البحر البعيد، وكل خطوة سيسيرونها. وبدأ في الارتفاع عن الأرض، ليس كمن يُسحب، بل كمن يصعد بسلطانه، حتى أخفته سحابة عن أعينهم.
بقي التلاميذ واقفين. نظروا إلى السماء الفارغة التي لم تعد فارغة حقاً. ثم نظر بعضهم إلى بعض. لم تكن الخريطة بين أيديهم، ولا خطط السفر. كان كل ما لديهم كلمات، وكلمات فقط. لكنهن كن كلمات نابضة بالحياة، محمولة بنفس الذي غلب الموت. فانحدروا من الجبل، ليس إلى نهاية، بل إلى بداية. وكانت خطواتهم الآن، رغم كل شيء، ثابتة.




