الكتاب المقدس

شفاء الأعرج عند باب الهيكل

كان الجوّ بعد الثالثة بعد الظهر حين يبدأ الحرّ يخفت قليلاً، لكنّ حجارة ساحة الهيكل كانت لا تزال تشعّ بدفء ساعات النهار الطويلة. عند الباب المسمّى “الجميل”، حيث تدقّق العيون في وجوه القادمين، كان هناك رجلٌ اعتاد الجميع رؤيته، كجزء من المشهد الثابت. اسمه لم يكن مهمّاً بالنسبة للكثيرين، لكنّ وصفه كان: “الأعرج منذ ولادته”. كانوا يحملونه كلّ يوم ويضعونه عند ذلك الباب ليطلب صدقة من الداخلين إلى الهيكل. أربعون سنة، كما عرف الجميع، وهو في ذلك الموضع. ساقاه ناحلتان، ملتفتان بلا قوة، عيناه تعرفان فنّ الاستعطاء بصمت، ويداه ممدودتان باتّجاه كلّ حذاء يمرّ.

في ذلك اليوم، بينما كانت الشمس تميل نحو الغرب، رأى رجلين يقتربان. لم يكونا من أغنياء الكهنة أو الكتبة المتأنقين بثيابهم. بل كانا يبدوان كصيادي سمك سابقين، في وجوههما صلابة وشيء من الانشغال البعيد. كان بطرس ويوحنا يصعدان للصلاة في الساعة التاسعة. وعندما همّ الرجل الأعرج بمدّ يده كالعادة، توقّف بطرس ونظر إليه مليّاً. ليس نظرة عابرة، بل نظرة تثقب الأعماق. ثمّ قال له: “انظر إلينا”. فرفع الرجل رأسه، تلمع في عينيه بقايا أمل متكرر، منتظراً فلساً أو قطعة نقدية.

لكن بطرس قال: “فضة وذهب لا أملك، ولكن الذي عندي أهبه لك. باسم يسوع المسيح الناصري، قم وامشِ”. ثمّ أمسك بيده اليمنى وأنهضه. في تلك اللحظة، حدث أمر لم تألفه حجارة الهيكل منذ زمن. لم تكن حركة سحرية، بل كانت قوة غريبة تسري من قدميّ الرجل إلى أعلى، تشدّ العظام، تملأ العضلات حياة، تُصلب المفاصل. وانتعش، ليس كمن يتعلم المشي، بل كمن يستعيد حقاً ضائناً. وقف. حقّاً وقف. ثمّ خطا خطوته الأولى، متردداً، ثمّ أخرى أكثر ثقة. ثمّ اندفع يقفز، يحاول أن يصدّق ما حدث. دخل الهيكل معهما، لا يسير بل يرقص، يسبّح الله بصوت عالٍ. والتفت الناس إليه، هذا الرجل الذي عرفوه أربعين سنة جالساً، يرتعد الآن واقفاً، وجهه مبلّل بالدموع والعرق، يكرّر: “سبحان الله! سبحان الله!”

فتح ذلك فجوة في الروتين المقدس. تجمّع حولهم جمع غفير، مبهوت، مندهش، يتساءلون: كيف؟ ولمن هذه القوة؟ انتهز بطرس الفرصة، ووقف حيث يستطيع الجميع رؤيته. صوته كان جهورياً، يعلو فوق همهمات الحيرة. “أيها الرجال الإسرائيليون، لماذا تتعجبون من هذا؟ ولماذا تحدقون فينا كانّا بقوتنا أو تقوانا جعلناه يمشي؟”. هدأت الأصوات قليلاً. ثمّ تابع: “إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، إله آبائنا، مجّد فتاه يسوع، الذي أسلمتموه، وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس…”.

كان يشرح لهم، بكلمات واضحة، صلبة أحياناً، حانية أحياناً أخرى، حقيقة ما حدث. لم يكن سحراً، ولا فضلة من قوة بشرية. كان اسم يسوع. كان ذاك الذي قتلتموه على خشبة، والذي أقامه الله من الأموات، وشهدوا هم لذلك. “وعلى إيمانه، هذا الذي ترونه وتعرفونه، شدّد اسمه هذا، والإيمان الذي بواسطته، أعطاه هذه الصحة أمام جميعكم.”

ثمّ لم يكتف بالشرح، بل دعاهم إلى التوبة، إلى الارتداد، كي تمحى خطاياهم وتأتي أوقات الفرج. ذكّرهم بنبوات موسى، وبجميع الأنبياء الذين سبقوا فأنبأوا عن أيام المسيح هذه. وختم كلامه بتحذير وتحفيز: “أنتم أبناء الأنبياء، والعهد الذي عاهد الله به آباءكم… فإليكم أولاً، إذ أقام الله فتاه، أرسله يبارككم، بردّ كل واحد منكم عن شروره.”

كانت الشمس قد أوشكت على المغيب حين انتهى من كلامه. لكنّ نوراً آخر كان قد أشرق في وجوه كثيرين. الرجل الذي شفي ظلّ ملتصقاً بهما، لا يكف عن الحمد. والجمع بدأ يتفرق، بعضهم في حيرة عميقة، وبعضهم في فرح عظيم، وآخرون يتساءلون عن معنى كل هذا. بينما كان بطرس ويوحنا ينزلان من الهيكل، كانت خطواتهما ثقيلة بنعمة اليوم، وخفيفة برجاء الغد. كانت بداية شيء جديد. شيء لا يستطيع باب الهيكل، ولو كان جميلاً، أن يحتويه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *