الكتاب المقدس

صراع الناموس والحرية

كان الغبار يرقص في شريط ضوء الشمس المتسلل من كوة صغيرة في حجرتي. جلسَت أمامي اللفائف، وكلمات الناموس تلمع ببهاء مؤلم، كسيف معلق على حائط القلب. أتذكر ذات صباح، في زمنٍ كان كل شيء فيه يبدو بسيطًا، كخط مستقيم مرسوم بالفحم على أرضية الدار. كانت الوصايا واضحة: افعل هذا، لا تفعل ذاك. كنتُ أتلوها كما يتلو الطفل حروف الأبجدية، بثقةٍ عذبة ساذجة.

لكن الحياة، يا للحياة، لم تكن أبدًا كخط مستقيم.

كان ذلك اليوم، يوم الانكسار الأول. لم يكن جرمًا عظيمًا في عيون الناس. مجرد كلمة جافة قاسية انطلقت من فمي نحو رجل مسن كان يعيق طريقي في السوق. لكنها في داخلي كانت كزلزال. لأني عرفتُ في تلك اللحظة بالذات النيّة التي ولّدتها: الاستعلاء، الاحتقار، الرغبة في إيذاء مشاعره. رأيتُ الوصية: “أحب قريبك كنفسك”. ورأيتُ، كمن ينظر في مرآة للمرة الأولى، التشوه الذي فيّ. الناموس كان يشير بأصبعه النحيل، الصامت، نحو هوة بين ما أريده وما أفعلُه.

صار الصراع سكنى أحشائي. كائنٌ غريبٌ ينبض في أعماقي. أردتُ الخير، فإذا الشر حاضر. أردت الصلاة بخشوع، فإذا الذهن يتسكع في أزقة الذكريات التافهة. أردت العطاء، فإذا قبضة اليد تشتد، وكأنها لا تخصني. من أنا؟ صرتُ أطرح السؤال وأنا أتأمل النجوم من فوق السطح. أنا الذي أفعل الشر لا أريده، أنا الذي أريد الخير لا أفعله. كأن فيَّ إنسانين: واحدٌ يشتهي نور الناموس ويبتهج به، وآخرٌ، كالأرض الندية، تنبت فيه أشواكًا غريبة عن بذرتي.

ذات ليلة، تحت شجرة تينٍ خارج القرية، انفجرتُ باكيًا. لم تكن دموع ندمٍ عابر، بل كانت دموس إنسان اكتشف أنه سجين. الناموس، بقداسته وصفائه، صار سجانًا. كشف عن خطيئتي، أعطاها اسمًا وشكلاً وقوة. الوصية “لا تشته” جعلت كل شهوة جمرة تتقد في الظلمة. لقد أحببتُ الناموس بعقلي، لكني وجدتُ ناموسًا آخر في أعضائي، يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في الأعضاء.

صار جسدي ساحة حرب. العقل يصيح: “تقدس!” والجسد يهمس: “تمتع!” والإرادة، أوه، تلك الإرادة المسكينة، تتأرجح كورقة خريف بينهما. شعرتُ أن الخطية ليست فعلاً أفعلُه فحسب، بل قوة تسكنني، كساكن غاشم استولى على بيت ليس له. وأنا، الـ “أنا” الحقيقية، واقفٌ حائرًا على عتبة بيتي، أشاهد الغريب يدير دفته ويفسد كل غرفة.

يا للعجب! الناموس مقدس، والوصية مقدسة وعادلة وصالحة. فكيف صارت سبب موتي؟ لأن الخطية، باستخدامها للوصية نفسها، خدعتني وقتلتني. لقد حوّلتُ النعمة إلى حكم، والطريق إلى حاجز. صرتُ أقول: “الآن، بما أني عرفت الوصية، يجب أن أتممها”. وهنا كانت الكمين: لأن “يجب” تلك كانت تعني الاعتماد على ذراعي أنا، على قوتي أنا. و”أنا” هذا كان قد سبقَ أن بيعه للساكن الغاصب.

فصرختي الأخيرة، تحت ظل الشجرة، لم تكن من فم ناظر إلى الناموس، بل من فم إنسان يرى الناموس من خلف قضبان سجنه: “ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من جسد هذا الموت؟”

ظلت هذه الصرخة معلقة في فضاء روحي أيامًا، كآخر نفس لحائر في بئر مظلم. حتى جاءني الجواب، لا من داخل ذهني المنهك، بل كنداء من بعيد، كفجر يشرق من حيث لا أتوقع. جاءني تذكُّرٌ، تذكُّرٌ لكلمات سمعتها عن رجل آخر، كتب عن هذا العذاب ذاته، ثم انفجر بنشيد خلاص: “اشكر الله، بيسوع المسيح ربنا!”

في تلك اللحظة، لم تنته الحرب. لا، فالجسد ما زال يحمل ذلك الناموس الغريب في أعضائه. لكن السجان انكسر قيده. لأن النجاة لم تأتِ من محاولة يائسة لأكون أفضل، بل من الاعتراف بأني لا أستطيع، ومن التسليم لذلك الذي هو قادر. صارت الناموس مرشدًا لا جلادًا، لأنه الآن يقودني إلى ذاك الذي كمل الناموس، لا لأتعلق به كوسيلة خلاص، بل كمرآة تريك وجه المنقذ عندما تعجز عن رسم الصورة بنفسك.

والآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، أعلم أن فيَّ إنسانين ما زالا يتنازعان. لكن الصراع لم يعد في دائرة مغلقة. هناك نافذة مفتوحة على رحمة، وهواء نقي يدخل منها. الناموس صار، في يد المحبة، طريقًا إلى الحرية، لا طريقًا إلى العبودية. والصراخ القديم تحول إلى ترنيمة شكر، لأن الجواب وجد، وهو ليس فكرة، بل شخص.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *