الكتاب المقدس

حزن يولد النقاء

في تلك الأيام التي تلت وصول الرسالة، كانت كورنثوس تتنفس هواءً ثقيلاً. لم يكن الهواء حاراً رطباً كالمعتاد قرب الميناء، بل كان ثقيلاً بحزن نقي، كالضباب الذي يعلو الجبال عند الفجر. كان اسمي ديماس، وكثيراً ما كنت أجلس في الغرفة العلوية في بيت غايوس، حيث كانت بقية الرسائل تُقرأ بصوت مرتجف، ثم يُصلى عليها بصمت.

تلك المرة، لم يكن الصمت عادياً. تذكرت وجه بولس عندما غادرنا آخر مرة، ذلك الوجع العميق في عينيه، وكلمات التحذير التي كانت ثقيلة كالحجارة. ثم جاءت رسالته، كالسيف الذي يشق اللحم للوصول إلى العظم. لم تكن كلمات مجردة، بل كانت صرخة أب رآ أولاده يضيعون في متاهات تلك المدينة الصاخبة. تحدث عن الدنس، عن الزنى، عن الشركة مع الظلمة. وحدث ما لم يكن في الحسبان.

لم ينفجر الغضب، لم تنشب الخصومات. بل ساد سكون غريب، ثم بدأ الحزن يتسرب إلى القلوب كالماء البطيء إلى الأرض العطشى. رأيته في عيون بريسكلا، وهي تمسك بطرف ثوبها، صامتة. شعرت به في ارتعاش يد استفاناس عندما حاول قراءة مقطع عن القداسة. كان حزناً مختلفاً، لم يكن مرارة ولا سخطاً، بل كان كالجرح النظيف الذي يؤلم لكي يبرأ.

لبثنا أياماً كذلك. كنا نلتقي، ولا نكاد ننطق. كان الخجل يصافح الندم في زوايا الغرفة. تذكر كل منا سكوته حينما كان يجب أن يتكلم، وضحكته حينما كان يجب أن يحزن، وتهاونه مع الخطيئة باسم “المحبة والحرية”. صار البيت كمرجل يغلي بلا لهب، حرارة التوبة تصعد من الأعماق.

ثم، كالشمس بعد عاصفة طويلة، بدأ الضوء يتسلل. لم يكن فرحاً طائشاً، بل طمأنينة عميقة، صلبة. بدأنا نتكلم، لا لنتهم بعضنا، بل لنتهم ذواتنا. وقف أحد الإخوة، رجل اسمه فورتوناتوس، وصوته أجش من البكاء، وقال: “لقد جرحنا الروح. لقد أحزننا قلب المحب”. وكانت هذه الكلمات، ببساطتها، أقسى وأشفى من كل عظة.

انطلقنا بعدها كالنهر الذي كسر سدوده. كتبنا إلى بولس مع تيطس، الذي كان حاضراً هذه الأيام كلها، صامتاً مراقباً، وعيناه الرقيقتان تلمعان بأمل صبور. كتبنا عن حزننا، عن اشتياقنا، عن غيظنا على الشر الذي تسلل إلينا، عن خوفنا على اسم الرب، عن توقنا لرؤيته. كتبنا عن كل ما حدث فينا، لا كمن يدافع عن نفسه، بل كمن يعترف بأن نعمة الله وحدها هي التي تمسك به من السقوط.

كانت التوبة. ليست شعوراً عابراً، بل تحولاً. لم نعد ذلك الجمهور الذي ينتظر التعزية السهلة. صرنا جسداً متمزقاً عن خطاياه، وبدأ يلتئم بنعمة هي أقسى وأعذب من كل شيء عرفناه. عرفنا يومها ما قصده بولس بـ “الحزن بحسب مشيئة الله”. إنه الحزن الذي لا يتركك في الوحل، بل يرفعك وينظفك. حزن بلا خزي، لأنه يؤدي إلى خلاص.

وعندما عاد تيطس أخيراً، حاملاً رد بولس، لم يكن وجهه يحمل خبراً، بل كان الخبر كله. دخل والابتسام لا يفارق شفتيه، وحدثنا عن تعزية بولس، عن فرحه، عن ثقته المتجددة بنا. قال لنا بولس في رسالته الجديدة: “لأنكم حزنتم بحزن حسب مشيئة الله، حتى لا تتضرروا منا في شيء. لأن الحزن حسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة؛ أما حزن العالم فينشئ موتاً”.

جلست في زاوية الغرفة، وأنا أستمع إلى كلمات تيطس، وشعرت بدفء غريب يملأ صدري. نظرت حولي إلى الوجوه التي كانت ذات يوم مغطاة بالخجل، فرأيتها الآن مضيئة بتواضع القوة. لقد مررنا في النار، وخرجنا، لا بخسارة، بل بكسب. كسبنا يقيناً جديداً: أن نعمة الله لا تتغاضى عن خطيتنا، بل تغوص فيها وتطهرها. وأن محبته أقوى من أن تتركنا كما نحن.

كانت كورنثوس في تلك الليلة، تحت النجوم الساحلية، مدينة مختلفة. لا لأن خطاياها زالت، بل لأن نعمة علّمت أبناءها كيف يحزنون، وكيف يقومون. وكيف يثقون، من جديد، بأن الذي ابتدأ فيهم عملاً صالحاً، هو يكمله.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *