الكتاب المقدس

اللفافة في الظلام

كان الهواء في تسالونيكي ثقيلاً ذلك المساء، كأنه رداء من رصاص. جلست مريم عند نافذة الغرفة العلوية، تتابع بأعين متعبة آخر أضواء النهار وهي تختفي خلف أسطح المدينة. كانت يداها، الخشنتان من عمل الصوف، تقبضان على لفافة الرق بحرارة، وكأنها تبحث عن دفء ما في كلمات بولس الرسول التي وصلت لهم لتوها. رائحة زيت المصباح الخافت امتزجت مع رائحة التراب القادمة من الشارع الضيق.

لم تكن الكلمات مجرد حبر على جلد ماعز. كانت نبضاً حياً، صدى صوت صديق يهمس في أذن كنيسة مجروحة. كانت ذكرى الاضطهادات الأخيرة لا تزال طازجة في ذاكرة الجميع: ذلك اليوم حين اقتحم بعض أهل السوق اجتماعهم، وضربوا يعقوب الشيخ حتى سال الدم من جبهته، وصرخوا بتهم التجديف والفساد. كانت مريم نفسها قد هربت من بين أيديهم، ومزقوا طرف ردائها.

تتنهد، وبدأت تقرأ مرة أخرى: “بولس وسلوانس وتيموثاوس، إلى كنيسة الله التي في تسالونيكي، في الله أبينا والرب يسوع المسيح”. كان مجرد ذكر الأسماء كأنه حبل نجاة ألقِيَ إليهم من بعيد. هم يعرفوننا، تذكرت. هم لا يزالون يحسبوننا كنيسة، رغم ضعفنا، رغم خوفنا.

استمرت عيناها في تتبع السطور: “نشكر الله دائماً لأجلكم أجمعين، كما يحق، لأن إيمانكم ينمو كثيراً، ومحبة كل واحد منكم جميعاً تزداد نحو بعضكم البعض”. توقفت عند كلمة “ينمو”. كيف يمكن للإيمان أن ينمو في تربة مثل هذه؟ تربة القسوة والشك؟ ثم تذكرت وجه حنّة، المرأة العجوز التي أصرت على إعطائها حصتها من الخبز الأسبوع الماضي، وهي تهمس: “أنتِ أصغر سناً، وعليكِ القوة”. تذكرت كيف اجتمعوا سراً في قبو منزل لوقا، يصلون بصوت خافت، وكيف حملوا معاً أثقال أولئك الذين سُجنوا. نعم، ربما كانت هذه هي الزيادة. ليست زيادة في الراحة أو القوة الظاهرة، بل زيادة في التشبث ببعضهم، كشتلات في عاصفة تلتف جذورها حول بعضها تحت الأرض.

لكن الآيات التالية جعلت قلبها يرتجف: “حتى إننا نفتخر بكم في كنائس الله، من أجل صبركم وإيمانكم في جميع اضطهاداتكم والضيقات التي تحتملونها”. افتخار؟ من كان ليتخيل ذلك؟ أن يكون عذابهم سبب فخر؟ نظرت إلى يديها المرتعشتين. كانت تخشى الخروج إلى السوق وحدها منذ الحادث. أين الصبر في هذا؟ أين الإيمان؟ ثم أدركت أن بولس لا يتكلم عن غياب الخوف، بل عن الاستمرار رغم الخوف. عن الاجتماع رغم الخطر. عن التمسك بالمسيح عندما يكون الثمن مرتفعاً. كان افتخاره بهم لأنهم، وبكل هشاشتهم، لم يتراجعوا.

ثم جاءت الكلمات التي شعرت وكأنها حكم: “بما أن الله عادل، فإنه سيجازي الذين يضايقونكم بضيق، وأما أنتم الذين تتضايقون، فيجازيكم راحة معنا”. طَرَقَ الباب فجأة، فقفزت من مكانها. كان مجرد نعيم، ابن أخيها، يحمل جرة ماء. “خالتِي، كل شيء على ما يرام؟” سأل بعينين واسعتين. هزت رأسها مبتسمةً رغم قلَقها. “كل شيء بخير، يا حبيبي. الله معنا.”

عادت إلى اللفافة. العدالة. كلمة كانت تتردد في صلواتهم ليل نهار. “حتى متى، أيها الرب؟” كان هذا نداءهم. وهنا كان الوعد: العدالة آتية. ليست عدالتهم هم، بل عدالة الله. لم تكن فكرة انتقامية تبهجها، بل فكرة مصحوبة برهبة عميقة. الله لا يتغاضى. الله يرى. دموع المظلومين ليست منسية. آهاتهم محفوظة أمامه. هذا في حد ذاته كان عزاءً نوعاً ما: أن معاناتهم لها وزن، لها معنى في ميزان عدالته.

ولكن الوصف الذي تلاه جعل جلدها يقشعر. “عندما يعلن الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته، في نار لهيب، معطياً نقمة للذين لا يعرفون الله، والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح.” أغمضت عينيها. لم تكن تتخيل مشهد انتقام مروع، بل كانت تفكر في “الذين لا يعرفون الله”. تذكرت وجه الرجل الذي ضرب يعقوب. كان وجهه مشوّهاً بالغضب، ولكن في عينيه، لو تمعنت جيداً، لم يكن هناك سوى خوف عميق، فراغ مقفر. “الذين لا يطيعون الإنجيل”. العصيان هنا لم يكن مجرد رفض لفكرة، بل رفض لعرض المصالحة، رفض للنعمة. كانت النقمة ليست مجرد عقاب على أفعال شريرة، بل هي النتيجة الطبيعية للعيش في عالم منفصل عن مصدر الحياة، عالم اختار ظلمته. شعرت بحزن غريب يغمرها تجاه مضطهديها. ما أقسى أن تكون في ذلك الفريق يوم مجيئه.

ثم تحولت النبرة في الرسالة فجأة، من الحديث عن الدينونة إلى حديث عن الصلاة. “الذي لأجله نصلّي أيضاً دائماً من أجلكم، أن يحسبكم إلهنا أهلًا للدعوة، ويكمل كل مسرة الصلاح وعمل الإيمان بقوة.” انحنت مريم بكامل جسدها. هذا هو جوهر الأمر. لم يقل بولس: “اصبروا حتى تأتي النقمة”. بل قال: “نسأل أن يكمّلكم”. المسرة الصالحة. عمل الإيمان. إنه يتوسل إلى الله من أجلهم، ليس لينقذهم من الضيق فحسب، بل ليجعل الضيق أداة اكتمال فيهم. ليكمل فيهم الصورة. القوة هنا ليست قوة الانتصار الخارجي، بل قوة التحول الداخلي، قوة أن تحمل اسم المسيح ولا تخزي.

رفعت رأسها نحو النافذة. كان الظلام قد اكتمل الآن، والنجوم بدأت تظهر خلف السحب الخفيفة. كان الخوف لا يزال هناك، كطعم مر في فمها. لكن شيئاً آخر بدأ ينبت. ليس شعوراً مفاجئاً بالشجاعة، بل يقين بطيء وهادئ، كالنبتة التي اخترقت شق الصخر. هم ليسوا منسيين. نضالهم ليس بلا معنى. إله العدالة هو نفسه إله النعمة الذي يدعوهم ويكملهم. ربما لن يأتي الفرج غداً. ربما ستستمر الاضطهادات. ولكن كلمات بولس كانت قد نسجت لهم رداءً مختلفاً من الرصاص: رداء صبر مكسوّ بموعد لا يتزعزع.

طوت اللفافة برفق، ووضعتها في صندوق خشبي بسيط. ثم ركعت على الأرضية الباردة، وبدأت تصلّي. لم تصلِ من أجل هلاك أعدائها، بل من أجل خلاصهم. ومن أجل أن تصير هي وأخوتها، في هذا الظلام، أهلًا لتلك الدعوة المضيئة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *