الكتاب المقدس

يوسف وتأويل الأحلام في السجن

وكان السجنُ ذا جدرانٍ سميكةٍ من اللَّبِن، تُنفِذُ إليها حرارة النهار كأنها نفسٌ مكتومٌ، وتُمسِكُ بالبرد الليلي كأنه أسيرٌ. لم يكن يوسفُ غريباً عن هذا المكان، فقد أَلِفَ ظلمتَه ورطوبتَه، وصوتَ القيودِ تَجرُّ على الحجارة. لكنَّ اليومَ جاء بضيفَين جديدَين، رجُلَين من بلاط فرعون نفسه، حاملِ الكأسِ ورئيسِ الخبازين. نُزِعَت عنهما الحُلَلُ الفاخرة، وفُتِشَت أجسادُهما المُمتلئة برخاء القصر، وأُغلِقَ عليهما البابُ الخشبيّ الثقيل.

لم يكن يوسفُ سجاناً، بل كان سجيناً مُكرَّماً، قد وضعَ رئيسُ الشرطِ كلَّ السجناء تحت يده. فلما رأى الحزَنَ الغامضَ على وجهَي الرجلَين، سألهما: “لماذا وجهاكما مُكفهرَّان اليوم؟”. نظرا إليه، فوجدا عينَيه صافيتَين كالنخلةِ المشرِفة على ماء، ليس فيهما تعالي السادةِ ولا ذلَّةَ العبيد. فتحدثا: “رأينا كلانا حلُماً، وليس من يُعبِّره لنا”. فابتسم يوسفُ ابتسامةً خفيفة، وقال: “أليست تأويلاتُها لله؟ قصَّا عليَّ”.

جلس حاملُ الكأسِ يفرك أصابعه المتعوِّدة على قدحِ الذهب. “رأيتُ في حُلمي كرمةً أمامي، وفي الكرمة ثلاثةُ قضبان. وهي مِثلُما أفرَخَت، طلَعَ زهرُها، وأنضجت عناقيدُها عِنَبا. وكأسُ فرعون في يدي، فأخذتُ العِنَبَ وعصرتُه في كأس فرعون، ووضعتُ الكأسَ في كفِّ فرعون”. صمتَ الرجلُ، ثم أضاف بنبرةٍ يائسة: “هذا كلُّ ما رأيت”.

لم يطل يوسفُ التفكير. نظَر إلى عيني الرجلِ وكأنه يقرأ في سطرٍ من نور. قال: “هذا تأويله: القضبانُ الثلاثةُ ثلاثةُ أيام. بعد ثلاثة أيام يرفعُ فرعون رأسَكَ ويُعيدك إلى مكانك، فتضع كأسَ فرعون في يده كالعادة الأولى حين كنتَ حاملَ كأسه. ولكن اذكرني عندما يكون لك خيرٌ، وأصنع إليّ معروفاً واذكرني لفرعون، وأخرجني من هذا البيت. لأنه قد سُرقْتُ من أرض العبرانيين، وههنا أيضاً لم أفعل شيئاً حتى وضعوني في السجن”.

انفرجت أساريرُ حامل الكأسِ، وبدا عليه الارتياح. أما رئيسُ الخبازين، فقد انقدَح في قلبه أملٌ، فبادَرَ بقصّ رؤياه: “أنا أيضاً، رأيتُ في حُلمي ثلاثةَ سلالٍ من خُبزٍ بيضاء على رأسي. وفي السَّلِّ الأعلى من كلِّ ما يأكل فرعون من خُبزٍ نقيٍّ، والطيورُ تأكلُه من السلِّ من فوق رأسي”.

هنا، سكت يوسفُ لحظة. نظر إلى الأرض، ثم رفع عينيه وهما يحملان شيئاً من الثقل. كان يعرف أن الكلمة قد تصير حياةً أو موتاً. قال بصوتٍ واضحٍ لا يخلو من رحمة: “تأويله هذا: السلَّةُ ثلاثةُ أيام. بعد ثلاثة أيام يرفعُ فرعون رأسَكَ عنك ويعلِّقك على خشبةٍ، وتأكل الطيورُ لحمك”.

ساد صمتٌ ثقيلٌ في الزنزانة. صوتُ زمجرةِ أسدٍ بعيدٍ من حظائر القصر الملكي اخترقَ الجدرانَ خافتاً. بدا على وجه رئيس الخبازين الشحوبُ، ثم انقلب إلى صفرةِ الترابِ الجاف. أما حاملُ الكأس، فقد اختلطت مشاعره بين الفرحِ بنجاته والحزنِ لرفيقه.

ومرّت الأيام الثلاثة. كان اليومُ عيدَ مولد فرعون، فصنع وليمةً لكلّ عبيده. تذكَّرَ رئيسُ السقاةِ ورئيسَ الخبازين في السجن. فأُعيدَ حاملُ الكأسِ إلى منصبه، ووضع الكأسَ في يد فرعون كالسابق. أما رئيسُ الخبازين، فأُعلِقَ على خشبةٍ، كما قال يوسف. لكنّ حاملَ الكأسِ، في فرحته بعودته وارتباكه بأمور القصر، نسيَ يوسف. نسيَ الرجلَ الذي فسَّرَ له حلمه، والرجاءَ الذي أضفاه على أيامه البائسة في السجن.

وبقي يوسفُ في السجن، يسمعُ عبر النافذة العالية صدى الاحتفالات البعيدة، ويرى شعاعَ الشمسِ يتحرّكُ على الجدار ببطءٍ، يوماً بعد يوم، كعقرب الساعة الواسعة. وكان الربُّ معه، يمدُّ في خيط رحمته، ويُعِدُّ في الخفاء أمراً عظيماً، لا يعلم كنهَه إلا هو. فالصبرُ في ظلمة الجبِّ أو قيود السجن، قد يكون هو الطريقُ الوحيدُ إلى قصرٍ لا يُغلَقُ بابه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *