وكانت السماء فوق جزيرة بطمس ذلك اليوم بلون الصدفة عند الفجر، تميل إلى الزرقة الشاحبة حيث تلامس حافة البحر. لكن يوحنا، الشيخ الذي رهلته السنون وأعمق الحزنُ تجاعيدَ محيّاه، لم يكن ينظر إلى جمال الطبيعة. فقلبه كان ممتلئاً بما هو أعتى من المنظر، وأثقل من صخور الساحل التي تتكسر عليها الأمواج. كان ما زال يذكـُر، وكأنها نارٌ تشتعل في أحشائه، رؤياه عن الوحش والعلامة على الجباه والأيدي. وكان صوتٌ في أعماقه يئنّ سؤالاً مرّاً: أين النجاة؟ وأين خلاصُ النّفس مِن هذا البلاء الآتي؟
وفجأة، كما ينهض النهر الجارف من مجراه الضيق، انفتح حجاب ما هو منظور. وسمع الشيخ، لا بأذنيه بل بكلِّ كيانه، صوتاً كهدير مياه كثيرة، كرعدٍ يُدوّي في وادٍ بين الجبال. فرفع عينيه. واذا بالجبال والأمواج تذوب في منظَرٍ آخر. رأى، وعلى صهوة الفضاء، جبلاً عظيماً من نورٍ، ليس من ذهب ولا من فضة، بل من كينونةٍ مُجرّدةٍ عن مادة الأرض. وعلى قمة ذلك الجبل السماوي وقَفَ الحَمَل.
لم يكن كما رآه من قبل، كحملٍ ذبيح. بل كان واقفاً، حيّاً، وفي جبهته ألقٌ يَكادُ يُذهب البصر. وحولَهُ جمعٌ لم يُعَدّ، مِن كل أمةٍ وقبيلةٍ وشعبٍ ولسان. وقوفهم كان كالبحر الهادئ تحت جنح المساء، لكنّ وجوههم كانت تشعُّ بنورٍ آتٍ من الحَمَل نفسه. وعلى جباهِهم كُتِبَت، لا بِحبرٍ أو نَقش، بل بنفحةٍ من روح القداسة، اسمُ الآب. وكانت في أيديهم قيثاراتٌ من ذهب، لم تُصنعها يدُ إنسان.
ثم فُتِحَ فمُ الجمع العظيم، فخرجت ترنيمةٌ لم تسمع الأرضُ مثلها منذ أن ناحَت النجومُ معاً عند بدء الخليقة. كانت أغنيةً جديدةً، لا يقدر أن يتعلّمها أحدٌ سوى أولئك المفتدين مِن الأرض. كانت كخيطٍ منسابٍ من عسلٍ ونارٍ، تملأ الأذنَ وتغوصُ في الأعماق. كلماتها لم تكن عن انتصارٍ عسكريّ، ولا عن مجدٍ أرضيّ. بل كانت عن الفداء، عن الدم الذي طهَّر، عن النعمة التي انتصرت على خطيئة آدم. وصوتهم كان كصوت مياه كثيرة، وكصوت رعد عظيم. ولكن تحت هذا الجلال، كان هناك نغمةٌ حنونٌ عميقة، كنغمة أمٍّ تُربّت على جبين طفلها المُتألّم.
وما كادت ترنيمتهم تذوب في أصداء السماوات، حتى بدأ المشهدُ يتغير. رأى يوحنا ثلاثة ملائكة يطيرون في وسط السماء، لكلٍ رسالةٌ تَهِزُّ أساسات العالم.
الأول طارَ بجناحين من نور، وصوته يملأ الأفقَ من مطلع الشمس إلى مغربها. نادى بصوتٍ عالٍ، لا بِرهبة القاضي، بل بجدية الطبيب الذي يقدّم الدواءَ الأخير: “خافوا اللهَ وأعطوه مجداً، لأنّ ساعة دينونته قد أتت. واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه”.
ثم تبعه الملاك الثاني، وفي عينيه نظرةُ حزنٍ هائل. فصرخ، وكان صوته كنداءٍ على أطلال مدينةٍ محروقة: “سقطت سقطت بابل العظيمة، التي سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها”.
وأخيراً، حلّق الملاك الثالث. وكان منظره أشدّ هيبةً، وكأنّ سحابةَ الدينونة كلها قد حُشرت في شخصه. فصرخ بصوتٍ عالٍ يخترق الضمائر: “إن كان أحدٌ يسجد للوحش وتمثاله، ويقبل السمة على جبهته أو على يده، فإنه سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفاً في كأس سخطه، ويعذّب بنار وكبريت أمام الملائكة القديسين وأمام الحَمَل. ودخان عذابهم يصعد إلى أبد الآبدين، وليس لهم راحة نهاراً و ليلاً”.
كلماتٌ ثقيلة كالرصاص، تتردّد في سماءٍ صامتة الآن إلا من حفيف أجنحة الملائكة. شعر يوحنا بثقلها في صدره، كما يحسّ المسافر في الصحراء بحرّ الظهيرة. ثم نظر، فإذا بصوتٍ يأتيه من العرش نفسه، يقول: “اكتب! طوبى للأموات الذين يموتون في الرّبّ منذ الآن. نعم يقول الروح، ليستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم”.
ثم تبدّدت صورةُ الجبل والجمع، وحلّت مكانَها رؤيا جديدة. رأى سحابةً بيضاء، وعلى السحابة جالسٌ شبه ابن إنسان، وعلى رأسه إكليل من ذهب، وفي يده منجلٌ حادٌ كالشفرة. فخرج ملاكٌ من الهيكل السماوي ونادى بصوتٍ عظيم للجالس على السحابة: “أرسل منجلك واحصد، لأنّه قد جاءت الساعة للحصاد، لأنّ حصيد الأرض قد يبس”.
فأرسل الجالس على السحابة منجله على الأرض، فحصد الأرض. يا للعجب! لم يكن الحصادُ سنابلَ قمحٍ أو عناقيدَ عنب. كانت الأرض تطرح بشراً، كلّ من حمل في قلبه بذار الحقّ ونمّاها. فجُمعوا، كما تُجمع الحنطة إلى الأهراء.
ثم خرج ملاك آخر من الهيكل، ومعه هو أيضاً منجلٌ حادّ. وتبعه ملاكٌ آخر يملك سلطاناً على النار، فنادى بصوتٍ عظيم إلى صاحب المنجل قائلاً: “أرسل منجلك الحادّ واقطف عناقيد كرم الأرض، لأنّ عنبها قد نضج”.
فأرسل الملاك منجله إلى الأرض، وقطف عنقود كرم الأرض، وطرحه في معصرة الغضب العظيمة خارج المدينة. وعُصرت المعصرة، فخرج منها دمٌ بلغ من كثرته حوافر الخيل، على مسافة ألف وست مئة غلوة.
واختفت الرؤيا. وعاد يوحنا إلى وحدته على الجزيرة القاحلة. ولكن شيءً ما كان قد تغيّر. لم يعد الثقل نفسه في صدره. فالرعب الذي رآه لم يكن رعباً بلا معنى. لقد رأى النهاية، نعم. لكنّه رأى قبلها البداية: الحَمَل واقفاً على جبل صهيون، والمفتدين معه. رأى أن دينونة الله ليست تعسّفاً، بل هي الفصلُ الأخيرُ بين الحقّ والباطل، بين من اختاروا اسم الآب على جباههم، ومن قبلوا سمة الوحش. والترنيمة الجديدة ما زالت تُرنُّ في أذن روحه، كأنّها بُشرى سابقة للدينونة، كأنّها تأكيدٌ بأنّ صوت الفداء أعلى من صوت المعصرة.
رفع يوحنا وجهه نحو السماء التي عادت إلى زرقتها الهادئة. كانت الشمس قد ارتفعت. وكان البحر يهمس. وأدرك الشيخ، في أعماق كيانه، أنّ الرؤيا لم تكن لترويع القلوب فقط، بل لتعزيتها. إنها تقول، في زمن الاضطهاد والارتداد، إنّ الحصاد آتٍ لا محالة. وأنّ عناقيد الأرض الفاسدة ستُعصر. ولكن قبل ذلك، وقبل كل شيء، هناك حملٌ واقفٌ على جبل، وجمعٌ لا يُعَدّ يترنّم بأغنيةٍ لا يعرفها إلاّ من اشتراهم بدمه. وكفى بهذا عزاءً في زمنٍ مظلم.




