وكانت المياه تزداد عنفاً وأمواجاً، ثم أخذت تهدأ، كأن غضباً عظيماً قد نضب. وفي الظلمة الدامسة داخل الفلك، كان كل ما يسمعه نوح وأبناؤه هو حفيف الماء على الخشب، وهدير الرياح التي بدأت تخف، ثم صمتٌ مطبقٌ تخلله فقط تنفس الحيوانات ونقيق بعضها. لم يعرفوا كم مر من الوقت، والأرض محجوبة تحت غطاء الماء، والسماء مختفية خلف سحب داكنة. لكن شيئاً ما كان يتغير.
ثم توقف المطر. لم يتوقف فجأة، بل كأن سحابةً عظيمةً قد فرغت أخيراً من كل ما لديها. صار هناك فراغ في الصوت، فراغ غريب بعد دويٍ استمر أياماً وليالي. تذكر نوح كلمة الرب: “أذكرك”. فكان قلبه بين الخوف والرجاء. وفي تلك الأيام الطويلة، كان الفلك يترنح أقل، ويستقر أكثر. وجعل الله ريحاً تمر على الأرض، فقلت المياه شيئاً فشيئاً، كأنما تُشفط من العالم.
ومع اليوم العاشر، والشهر، والشهر التالي، كانت علامات الانحسار تظهر. في أحد الأيام، عند الفجر، اصطدم قعر الفلك بصخور جبل. كان ارتطاماً خفيفاً، ولكنه مختلف. توقف الفلك عن التمايل. صار ثابتاً. نظروا من الفتحة العليا، فرأوا قمماً شاهقة. كانت قمم جبال أرارات. لم تكن الأرض بعد، ولكنها كانت بداية. استقر الفلك في الشهر السابع، في اليوم السابع عشر منه، على جبلٍ من هذه السلاسل الشامخة.
وبعدها، ببطءٍ شديد، أخذ الماء ينقص. ظهرت القمم أولاً، كجزر في محيط لا نهاية له. ثم انكشفت السلاسل، وصارت مرئية تحت ضوء الشمس التي بدت غريبة بعد طول غياب. وظل نوح ينتظر. انتظر أربعين يوماً بعد أن استقر الفلك. ثم فتح النافذة التي كان قد صنعها. كان الهواء الذي دخل مختلفاً. لم يعد رطباً ثقيلاً، بل فيه عذوبة، وفيه رائحة… رائحة صخور مبتلة، وتراب. رائحة أرض.
وأرسل الغراب. طار ذهاباً وإياباً، لم يرجع. كان يجد مكاناً يجثم عليه، ربما جثثاً طافية. لكن نوح أراد علامةً أخرى. فانتظر سبعة أيام أخرى. ثم أخذ حمامة من الحمائم التي احتفظ بها طاهرة. أطلقها من يده. طارت الحمامة في دوائر، ثم عادت إليه خائبة، لأن المياه كانت لا تزال تغطي وجه كل الأرض. مد يده فاستقرت عليها. كان دفء جسدها الصغير ينبض تحت ريشها. فدخل بها إلى الفلك وأغلق النافذة.
وانتظر سبعة أيام أخرى. أطلق الحمامة مرة ثانية. هذه المرة، رجعت عند المساء، وفي منقارها غصن زيتون أخضر، أوراقه لم تذبل بعد. عرف نوح أن المياه قد نقصت عن وجه الأرض. كان الغصن دليلاً على أن الحياة عادت، وأن الشجر بدأ ينتعش. لكنه لم يخرج. انتظر مرة أخرى سبعة أيام. أطلق الحمامة للمرة الثالثة. لم تعد إليه هذه المرة. كان ذلك دليله الأخير.
وفي اليوم الأول من الشهر الأول من سنة حياته الستمائة والواحدة، كان نوح يرفع غطاء الفلك وينظر. واذا وجه الأرض قد انكشف. صارت التربة تظهر، موحلة، مليئة بالحطام، ولكنها أرض. ومع ذلك، لم يأمر الرب نوحاً بالخروج. فبقي هو وعائلته والحيوانات، شهراً آخر، وشهرين، حتى جفت الأرض تماماً.
ثم في الشهر الثاني، في اليوم السابع والعشرين، كلم الله نوحاً. قال له: “اخرج من الفلك”. ففتح نوح السقف، وخرج أولاً. كان الهواء نقياً، والشمس ساطعة على عالم جديد. خرجت امرأته، وخرج أبناؤه ونساؤهم. ثم بدأوا بفتح أبواب الحظائر والمخازن. خرجت الحيوانات، زوجاً زوجاً، وقطيعاً قطيعاً. كانت تخرج بتؤدة، تتنفس الهواء العليل، ثم تنتشر في الأرض الموحلة، تبحث عن مأوى وطعام.
وكان أول ما فعله نوح بعد الخروج، أن بنى مذبحاً للرب. جمع حجارةً نظيفةً من تلك الأرض الجديدة، وبناه على مرتفع. وأخذ من كل الحيوانات الطاهرة والطيور الطاهرة، وقدم محرقة على المذبح. صعد الدخان من النار، رائحةً رضية. وهناك، وقف هو وأبناؤه، شاكرين، خاضعين.
ورأى الرب ذلك. شمّ رائحة الرضى. وقال في قلبه: “لا أعود ألعن الأرض بعد من أجل الإنسان”. وعاهد نوحاً وذريته، وكل حيوان خرج من الفلك، أنه لن يعود يهلك كل حيٍ بالطوفان مرة أخرى. ووضع قوسه في السحاب علامةً لهذه العهد، تذكيراً لنفسه وللبشر من بعده.
وهكذا ابتدأت حياة جديدة على الأرض، من قلب تلك المياه العظيمة، ومن صبر رجلٍ سمع صوت الرب وحفظ وصيته. وكانت الأرض مغسولة، والعهد جديداً، والرجاء قد أشرق مع شمس ذلك اليوم الأول.




