الكتاب المقدس

تطهير كالب من البرص

كان النهار يُسدل ستائره بلون رماديّ خفيف، وهو لون الفجر الذي يسبق شروق الشمس بقليل. وقف الكاهن أليعازر خارج المحلّة، تلاطف برد الصباح على وجهه الذي بدا عليه التعب. كانت رائحة الأرض الرطبة بعد مطر الليل تملأ أنفه، ممتزجة برائحة دخان مواقد المخيمات البعيدة. أمامه، على بعد عشر خطوات تقريباً، وقف الرجل. كان وجهه مغطى بقطعة قماش من الكتّان، لكن عينيه الظاهرتين كانتا تحملان ذلك النظَرَ الذي رآه أليعازر مراراً: نظَرٌ بين اليأس والرجاء، بين الذلّ والاشتياق.

لم يكن هذا أول مُبرص يأتي إليه تطهَّرَ من مرضه، وفقاً لتشخيص الكاهن الأكبر، ولكن كلّ مرّة كانت تُذكِّر أليعازر بهشاشة النعمة، وبثقل مسؤولية الوساطة بين النجاسة والطهارة. اقترب من الرجل، واسمه كالب بن يشكر، وصوته خفيض كهمس أوراق الشجر. “يا كالب. أتؤمن أن الرب قد نَظرَ إليك وأبرأك؟”

“أؤمن، يا سيّدي. لقد زال كلّ أثرٍ للبياض، كما ترى.” وكان صوته أجشّ من قلّة الكلام طوال أيام العزلة.

بدأت الطقوس، كما كُتبت. أمر أليعازر خادمين مكلّفين أن يأتيا بطيرين حيّين، من تلك التي تُحلَّل أكلها، مع خشب أرزٍ وقرمزٍ وزوفا. كان الطيران يرفرفان في قفص من الخيزران، وصوتهما نقيقٌ حادٌّ يقطع صمت الصباح. أمسك أليعازر بأحدهما فوق إناء من خزف مملوء بماء عَذْب، جاء به الخادمان من الجدول. الماء كان بارداً، يرتعش تحت ضوء الفجر الخافت. ثم ذبح الطير فوق الماء، حتى اختلط دمه بالسائل الصافي، وصار لونه ورديّاً باهتاً. رائحة الدم، المعدنية والحادة، علقت في الهواء لحظة.

غمس الطير الحي، مع خشب الأرز والقرمز والزوفا، في دم الطير المذبوح والماء. رشّ من ذلك الماء والدم على كالب سبع مرات. كانت قطرات السائل تلمع على غطاء وجهه وثيابه، وكأنها ندى ملوّن. ثم أطلق الطير الحي إلى الحقل. شاهده أليعازر وهو يمحو في السماء الرمادية، صارخاً بانعتاق، حتى اختفى خلف التلال. كان هذا الرمز يهزّ قلبه كلّ مرّة: أحد الطيرين يُذبح، والآخر يُطلَق حرّاً طاهراً. صورة عن الموت والتحرّر، عن الفداء والانطلاق.

أمر كالب أن يغتسل، ويحلق كلّ شعر جسده، ويغسل ثيابه. “وابتعد عن خيمتك سبعة أيام أخرى،” قال له أليعازر، “قابلني هنا في اليوم السابع.” وافق كالب بإيماءة صامتة، وعيناه تلمعان بدمعة لم تسقط.

مرّت الأيام السبعة. وفي اليوم السابع، وقف كالب مرة أخرى، لكن هذه المرة بوجه مكشوف. كان الوجه أسمرَ من الشمس، يحمل ندوباً قديمة للمرض، لكن خالياً من بياض البرص. بدا عليه الشباب من جديد، رغم الشيب المبكر في شاربه. هذه المرّة، تلاها طقوس أطول. ذبح حملاً ذا سنة، خالياً من العيوب، وكاهنة من الدقيق الممزوج بالزيت، وذكراً من الحمام أو فرخي حمام. كان الدماء تسيل على مذبح المحرقة، ورائحة اللحم المشويّ والدقيق المقمر تتصاعد كرائحة طيبة للرب. وضع أليعازر من دم الخروف على شحمة أذن كالب اليمنى، وعلى إبهام يده اليمنى، وعلى إبهام رجله اليمنى. الدم دافئ، لزج، يحمل وعداً بالانتماء. ثم أخذ من زيت الدهن، من ذلك الزيت الثمين، ورقّاه أمام الرب. وضع منه على راحة يده، ثم على المواضع نفسها التي وُضع عليها الدم: الأذن، الإبهام، الإبهام. والباقي من الزيت صبّه على رأس كالب. سال الزيت على شعره الكثيف، لامعاً تحت شمس الضحى، واختلط برائحة الصوف المحروق والدقيق.

تكلّم أليعازر بصوت مرتفع هذه المرة، صوت يملأ السهل الصغير: “ها قد طُهِّرْتَ. عد إلى محلتك، إلى أهلك. عد إلى الجماعة.” نظر كالب حوله، إلى الخيام البعيدة التي طالما حلم بها في عزله، ثم نظر إلى يديه، إلى آثار الدم والزيت. ارتسمت على شفتيه ابتسيمة صغيرة، مرتعشة، كأنها لا تزال تتعلم شكل الفرح. انحنى لكاهنه، ثم انصرف باتجاه بيته، وخطواته في البداية مترددة، ثم أصبحت ثابتة وسريعة.

وقف أليعازر يتابعه حتى اختفى، ثم نظر إلى بقايا الذبيحة، والدخان ما يزال يتصاعد. فكر في ثقل الناموس، وفي نعمة التطهير. فكر في الطير الذي حلّق حراً، وفي الدم الذي غسل، وفي الزيت الذي مسح. كانت الشمس قد علت، ودفئت هواء الصباح. أدار ظهره للمشهد، عائداً إلى خيمة الاجتماع، وحيداً كما أتى، حاملاً معه رائحة القداسة ورائحة التراب، ممتزجتين في ثيابه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *