كانت رائحة الغبار ما تزال عالقة في هواء الجبل، حتى بعد أن استقرت الحرب. كان صمت غريب قد حل على المخيم، ليس صمت السلام، بل صمت الذهول. اجتمع الشيوخ أمام خيمة الاجتماع، ووجوههم مرسومة بالكآبة والارتباك، وكأنهم أدركوا فداحة ما أقدموا عليه. كان القسم الثقيل قد التصق بأفواههم: “لا تعطِ أحدٌ منّا ابنته لِبنيامين امرأة”. والآن، ها هم أولاء، سبطٌ من أسباط إسرائيل الاثني عشر، على حافة الانقراض. لم يتبق من بنيامين سوى ست مئة رجل، هربوا إلى صخرة رِمون، بينما كانت مدنهم تُحرق ونساؤهم وطفلهم تُسلب.
قال أليعازر، وهو شيخٌ تجعد وجهه كأغصان الزيتون القديمة: “كيف حدث هذا؟ أليس بنيامين إخوتنا، من صلب يعقوب؟ كيف نترك سبطًا يموت من بين أسباط إسرائيل؟”. كان السؤال معلقًا في الهواء، ثقيلًا كحجر الرحى. تذكر الجميع ذلك الحماس الأعمى بعد جريمة جبعة، حين اجتمعوا كرجل واحد، وحلفوا أن لا يعود أحد إلى بيته حتى يُنفّذ الحكم. وتذكروا القسم المتسرع الذي أقسموه في غضبهم، قبل أن يتبين لهم العواقب.
بحثوا في الناموس، في التقاليد، لكنهم لم يجدوا حلاً. ثم ارتفع صوت كالب بن يحوننة: “انظروا، من لم يصعد إلى المجمع في المصفاة؟”. كانت الذاكرة الجماعية تعمل. لقد حلفوا أيضًا على من يتخلف عن ذلك الاجتماع المصيري: “إنه يموت موتًا”. فوجدوا ضالتهم في يابيش جلعاد، تلك المدينة الواقعة في شرق الأردن، والتي لم يُرسل أحد من رجالها للمشاركة في الحرب. لم يكن الحل مثالياً، بل كان أشبه بخرقٍ لسد ثغرة بخرق آخر.
فأرسلوا اثني عشر ألفًا من أبطالهم، وأمروهم أن يضربوا كل ذكر وكل امرأة عَرِفَت رجلاً. لكن الأمر حمل شيئًا من اللفّ والدوران. “إبقوا على العذارى”، قالوا. وجاءت الكتيبة عائدة، ومعها أربع مئة فتاة، صغيرات السن، خائفات، مُسلمات بلا حول ولا قوة، جلبتْهُنَّ الأقدار ليكوننَ حلاً لأزمة لم يصنعنها.
قدمُوهنَّ للست مئة الباقين من بنيامين في رِمون. لكن العدد لم يكفِ. أربع مئة امرأة لست مئة رجل. بقي مئتي رجل بلا زوج. وهنا، مرة أخرى، وجد الشيوخ أنفسهم في مأزق. كان القسم يخنقهم. كيف يجدون نساءً لبنيامين دون أن “يعطوهن” إياهم، وكسر القسم؟
جاءت الفكرة من أكثر الأفكار غرابة. كان عيدٌ للرب قريبًا في شيلوه، حيث كانت العذارى من بنات إسرائيل يخرجن في رقصٍ في الكروم، احتفالاً بالحصاد. قالوا للبنيامينيين: “اذهبوا واختبئوا في الكروم. فإذا خرجت بنات شيلوه للرقص، فاخرجوا أنتم واختطفوا لكل رجلٍ منكم امرأة، ثم اذهبوا إلى أرض بنيامين”. كانت الخطة أشبه بمسرحية محرجة، تُبرر بها الضمائر ما عجزت عن تبريره علنًا. “فإذا جاء آباؤهن أو إخوتهن يشكون، نحن نقول لهم: إرحموهم من أجلنا، لأننا لم نأخذ لكل رجلٍ امرأة في الحرب. ولم تكونوا أنتم الذين أعطيتموهم، حتى تكونوا مذنبين الآن”.
ذهب الرجال إلى شيلوه. وكان المشهد غريبًا: كروم متداخلة على التلال، ونسيمٌ حاملٌ لعبَق العنب قبل إدراكه. وصوت الدفوف والأناشيد يملأ الوادي. ثم، فجأة، كظلال تنتفض، خرج الرجال من مخابئهم. كانت الصيحات تعلو، ليس صيحات فرح، بل ذعرٍ ممزوج بقدرٍ من القبول الضمني. أمسك كل رجل بفتاة، وحملها، وانطلق بها عبر الجبال، عائدًا إلى ما تبقى من ميراثه في أرض بنيامين.
لم يكن هناك عرسٌ جماعي، ولا أفراحٌ عامة. كان هناك صمت آخر، صمت مُحَيّر. صمت رجال بنوا مدنهم المحروقة من جديد، وجلسوا مع زوجاتهم اللواتي جاءنَ من مأساتين مختلفتين: غزوٍ واختطاف. وصمت آباء في شيلوه ويابيش جلعاد، يعلمون أن بناتهم ذهبت لتُنجب سبطًا كاد أن يُمحى.
وفي خيمة الاجتماع، جلس الشيوخ ينظرون إلى بعضهم. لقد أبقوا على السبط. لقد حافظوا على الاثني عشر سبطًا. لكن طعم السلام كان مرًا في أفواههم. لقد رقعوا ثوبًا ممزقًا برقعة غريبة، ظاهرة للعيان. وكان السؤال الذي لم يجرؤ أحد على نطقه يطن في أذن كل منهم: أي عدل هذا، الذي يفتدي خطيئة بخطيئة، وظلمًا بظلم؟ لقد نجوا من حرب الإبادة، لكنهم وقعوا في فخّ أخلاقي معتم، حيث تبدو النهاية – بقاء السبط – وكأنها تبرر الوسيلة المشوهة.
وعلى مر السنين، بينما كانت بنات يابيش جلعاد وشيلوه تلدنَ أبناءً لبنيامين، كن يروينَ في الخفاء، ربما لأبنائهن، قصصًا عن مدن محروقة، وكروم شيلوه، ويومٍ اختُطفنَ فيه ليصبحنَ بطلاتٍ غير طوعياتٍ في قصة خلاصٍ ملتوية. وكان الرب، في صمته العميق خلال تلك الأيام، يترك شعبه يذوق مرارة حكمتهم البشرية، ويدفع ثمن أقسامهم المتسرعة، ويتعلم، ربما، أن بعض الحلول، حتى وإن نجحت في ملء الفراغ، تترك ندوبًا في نسيج الضمير لا تبرأ بسهولة.



