كان الليل قد أسدل ستاره الكثيف على جبال جلبوع، حيث نصب شاول الملك خيمته بين رجاله. كان الهواء بارداً يحمل نسماتٍ تثير القشعريرة، ليس من برد الشتاء القارس فحسب، بل من ريح الخوف التي هبت في أعماقه. لم تكن جيوش الفلسطينيين الممتدة في السهل هي ما يقض مضجعه، بل ذلك الصمت الرهيب، ذاك الصمت الإلهي الذي لفّه ككفن. لقد حاول، حاول جاهداً أن يسمع صوتاً، أن يعثر على بصيص، أن يحلم حلماً. ولكن السماوات كانت من حديد ونحاس، لا إجابة من أحلام ولا من أنبياء ولا من أوريم.
كان يدرك في قرارة نفسه لماذا. كان يتذكر ذلك اليوم في جلبوع، الأمر العجول الذي خرقه، وصموئيل النبي وقد انفصل عنه إلى الأبد. كان يتذكر نظرات الرفض في عيني داود. كل شيء بدا وكأنه يغلق في وجهه. حتى الأرض بدت وكأنها تضيق به. وهكذا، في ظلمة قلبه وظلمة الليل، خطرت له فكرةٌ كانت تلح عليه كشبح: المرأة صاحبة الجان في عين دور. لقد طردهم هو نفسه، هو من طارد أصحاب الأرواح والعائفين من الأرض بحميّةٍ دينيةٍ ونفسٍ مضطربة. ولكن الآن، ها هو يبحث عمن بقيت منهم سراً.
انطلق في الظلام، ليس في بهاء ملك، بل في ثياب عادية، مع رجلين فقط من خواصه. كانت الرحلة إلى عين دور شاقة، عبر ممرات جبلية وعرة، وكأن الطبيعة نفسها تعترض سبيله. كل خطوة كان يخطوها بعيداً عن جيشه كانت تشعره بأنه يبتعد أكثر عن شرعيته، عن تاجه، عن نفسه. كانت النجوم تختبئ خلف سحب متفرقة، تضيء الطريق أحياناً وتخبئه أحياناً، كضميرٍ متردد.
وصل إلى بيت متواضع في أطراف القرية. دق الباب بخفة، كمن يخجل من صوته نفسه. فتحت امرأة في سنّ متقدمة، عيناها تحملان حذراً طويلاً من السنوات. لم تعرفه. كيف تعرفه وهو في هذه الهيئة؟ طلب منها أن تستحضر روحاً، أي روح، من يرغب به. ارتعبت المرأة، وهمست بصوت خافت مكسور: “أما تعلم ما فعل الملك؟ إنه قطع أصحاب الجان والعائفين من الأرض. فلماذا تضع شركاً لنفسي لقتلي؟”
فحلف لها شاول يميناً باسم الرب – أي تناقض مُر هذا – أنه لن يصيبها سوء. سألته: “من أستحضر لك؟” توقف لبرهة، وكأن الاسم سيحرق لسانه. ثم همس، وكانت الهمسة ثقيلة كحجر رحى: “استحضري لي صموئيل.”
عندما نطق بالاسم، بدا كأن ثقلاً من الرهبة ملأ الغرفة الضيقة. شرعت المرأة في طقوسها، لكن شيئاً غير معتاد حدث. لم يكن الاستحضار كما اعتادت. صرخت بصوت مفاجئ مليء بالذعر الحقيقي: “لماذا خدعتني؟ أنت شاول!”
فأدرك الملك أنه مكشوف، وأن خوفه هو الذي كشفه. هدأها: “لا تخافي. ماذا رأيتِ؟” أجابت بصوت مرتعش، وكأنها تنظر إلى ما لا تطيق: “أرى آلهة يصعدون من الأرض. وشيخ يصعد وهو مغطى بجبة.”
عرف شاول في الحال من هو. خرّ على وجهه إلى الأرض، انحنى بكل جسده المنهك. لم تكن هناك حاجة لاسم. كان الحضور نفسه كافياً. حتى من عالم الأموات، جاء صموئيل بنفس هيبته، بنفس ذلك النظرة التي تعرف الحقيقة كاملة. والسؤال الذي طرحه كان كسيف ذي حدين: “لماذا أقلقتني بإصعادك؟”
بدأ شاول بسرد مأساته، بكلمات متعثرة: “قد ضاق بي الأمر جداً. وقد حارَبني الفلسطينيون، والله قد رجع عني ولم يجبني بعد، لا بأيدي الأنبياء ولا بالأحلام. فدعوتك لأعلم ماذا أصنع.”
كانت إجابة صموئيل قاسية، واضحة، نهائية، كنبؤة محفورة على حجر. لم تكن هناك تعزيات، لا مساحات للأمل. لقد تمرد شاول على كلمة الرب، فانقلب الرب إلى عدوه. سينتزع الملكوت منه ويعطيه لداود. والغد، في معركة جلبوع، سينهزم جيش إسرائيل، وسيسقط هو وبنوه. سيكون مع صموئيل.
عندما سمع شاول هذه الكلمات، سقط على الأرض مرة أخرى، ليس انحناءة، بل سقوطاً كاملاً. لم يكن هناك ما يقال بعد. لقد كان الخوف نظرياً، فأصبح الآن حقيقة ملموسة، مصيراً محتوماً. لم تعد القضية “ماذا أصنع؟” بل “كأنتظر الموت فحسب؟” امتلأ جسده رعباً حتى إنه لم يقو على الطعام عندما قدمته له المرأة ورجاله الذين ألحوا عليه. أكل أخيراً، كمن يأكل رماده، ثم انطلق مع رجاله عائداً في ظلمة الليل نفسها، لكن الظلمة الآن كانت في داخله، وكان الصباح القادم ينتظره، لا كفجر جديد، بل كحاجزٍ يفصل بين لحظات حياته القليلة الباقية، وبين تلك النبوة الصادقة المرعبة التي ستتحقق كلمة كلمة.




