كان يشوع قد شاخ، تقدمت به الأيام. لم تكن الشيخوخة مجرد ثقل في العظام، ولا ضباب يعلو البصر، بل كانت ذكرى طويلة ممتدة كظل الجبال عند المغيب. ذكرى معارك وانتصارات، وصحاري عبروها، ونهر جرُد، وأسوار سقطت كأنها من ورق. لكن الذكرى، مع كل امتدادها، كانت تترك فراغاً في قلب الشيخ القائد: أرضٌ كثيرة بقيَت لم تُفتح بعد.
جلس تحت بلوطة كثيفة الظل قرب شيلوه، حيث أُقيمت خيمة الاجتماع. الهواء كان دافئاً يحمل عبق التراب بعد سقيفة خفيفة. أمامه، منشور من جلد ماعز، مرسوم عليه بخطوط من الفحم معالم الأرض: من دان في الشمال، إلى صحراء النقب في الجنوب. أصابعه، المبرقشة ببقع السن، تتبع مسار الأردن وهو ينحدر من البحر إلى البحر.
ثم جاءه الصوت، صوتٌ عرفه من سنوات الوادي والنار في العليقة. لم يكن رعداً، بل كان كهمس الريح بين أغصان البلوط، واضحاً في أعماق نفسه: “أنت قد شخت وتقدمت في الأيام، والأرض الباقية كثيرة جداً.”
رفع يشوع وجهه نحو الأفق الغربي، حيث تلتوي التلال لتختفي. عرف ما تعنيه الكلمات. فلم تكن الحرب قد انتهت، بل كانت المرحلة الأولى منها قد اكتملت. لقد كسر شوكة القوى العظمى، ووهب الرب الشعب راحة من كل جهاتهم. ولكن التفاصيل، تلك البقع العنيدة من المقاومة والمناطق النائية، كانت ما تزال بانتظار الإخضاع.
بدأ عقله، الذي كان لا يزال حاداً كشفرة السيف، يستعرض الخريطة بحسب الصوت الإلهي:
“هذه هي الأرض الباقية: كل دائرة الفلسطينيين وجميع الجشوريين. من النهر، الذي أمام مصر، إلى تخوم عقرون شمالاً، تحسب أنها للكنعانيين. خمسة ولاة للفلسطينيين: الغزة والأشدود وأشقلون وجت وعقرون. وكذلك العويم من جهة الجنوب. جميع أرض الكنعانيين…”.
كانت الأسماء تتراءى له كمدن من حجر وغبار. سمع عن غزة، مدينة التجارة القوية على طريق البحر، وعن أشقلون الساحلية ذات البساتين الكثيفة. وعرف جت، مسقط رأس جالوت الطويل الذي سقط منذ سنوات على يد الفتى الصغير من بيت لحم. كانت هذه المدن حصوناً مستقلة، ذات ثقافة مختلفة، تعبد آلهة من البحر والخصب.
ثم اتجهت القائمة شمالاً، إلى المناطق الفينيقية: “من المشرق، جميع لبنان… جميع سكان الجبل من جبل حرمون إلى دخول حماة.” رأى بعين خياله قمم حرمون البيضاء، وهي تلمع تحت شمس الربيع. وتخيل غابات الأرز الكثيفة في لبنان، تلك الأشجار الشامخة التي كانوا يستخدمون خشبها لبناء القصور والمعابد. وتذكر صيداء، مدينة البحارة الأذكياء، الذين يبحرون إلى أقاصي الأرض.
كانت هذه الأرض الشاسعة، من السهول الساحلية الغنية إلى القمم الجبلية الشاهقة، هي “الباقية”. لم تكن أرضاً بلا سكان، بل كانت مأهولة بشعوب متجذرة، ذات حصون منيعة وتقاليد عريقة. الفتح القادم لن يكون بمعارك ضخمة كمعركة أريحا أو جبعون، بل سيكون حرباً طويلة من المناوشات والتقدم البطيء، سباطاً تلو سباط، جبلاً تلو جبل.
ثم انتقل الصوت إلى ما هو أهم: “أنا أطردهم من أمام بني إسرائيل. إنما قسمها قرعة لإسرائيل ملكاً، كما أوصيتك.” هنا استقام ظهر يشوع، رغم ثقل السن. لم تكن المهمة منوطة بقوته العسكرية وحدها، بل بمشيئة الرب الذي يطرد الشعوب. ودور يشوع، في سنواته الأخيرة، كان أن يضمن العدل في التوزيع، أن يقسم الأرض بين الأسباط التسعة والنصف الذين لم يأخذوا نصيبهم بعد، بينما كان رأوبين وجاد ونصف سبط منسى قد استقروا في شرقي الأردن.
أمر بإحضار رؤساء الأسباط، الكهنة، وألعازار الكاهن. اجتمعوا تحت البلوطة نفسها. نشر الخريطة الجلدية أمامهم. وبدون خطاب طويل، كرر لهم ما سمعه: هذه الأرض الباقية، وهذه حدودها، والرب قد تكفل بإخراج السكان منها. ولكن عليكم أنتم، يا من ستقيمون فيها، أن ترفعوا السلاح وتكملوا المهمة. لن أكون معكم إلى الأبد. النصيب الذي تعطونه لكل سبط سيكون ميراث أبدياً لعائلاتهم، يجب أن يدافعوا عنه ويستولوا عليه.
ثم جاءت مرحلة القسمة. ففي الجنوب، بين يهوذا القوي وأفرايم المتوسط، كانت هناك سباطٌ أصغر، كبنيامين وشمعون، يحتاجون إلى نصيب داخل أراضي إخوتهم أو بجوارهم. وكما أمر موسى، أُعطي سبط لاوي المدن منتشرة بين جميع الأسباط، لأن نصيبهم هو خدمة الرب.
وبهدوء، بدأت عملية القرعة. كانت القرعة صندوقاً من خشب الزيتون، يوضع فيه أسماء الأراضي أو وصفها على قطع من الفخار. كان الكاهن يهز الصندوق، ثم يخرج قطعة باسم سبط، وقطعة أخرى تصف المنطقة. كان الجميع ينظرون، والقلوب تخفق. لم تكن مصادفة عمياء في عيونهم، بل كانت يد الرب الخفية هي التي توجه القرعة. فللرب كل الأرض، وهو يقسم ميراثه كما يشاء.
وهكذا، ببطء ووقار، أخذت الخريطة تكتسب ألواناً جديدة. منطقة هنا لسبط، ووادٍ هناك لآخر. وبينما كانت الشمس تميل نحو الغرب، رسم الكتبة، بدقة وصبر، حدود كل ميراث على الخريطة الجلدية، بناءً على ما أظهرته القرعة.
في نهاية اليوم، مع حلول الظلام، بقي يشوع وحيداً مرة أخرى تحت النجوم التي بدأت تتلألأ. نظر إلى الخريطة، التي أصبحت الآن مشطورة بخطوط سوداء جديدة. شعر بتعب عميق، لكنه لم يكن تعب اليأس. بل كان تيقناً. اليقين أن الوعد الذي قطعه الرب لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، ذلك الوعد الذي بدا كحلم في أرض غريبة، كان يتجسد الآن على أرض الواقع، بكل تفاصيلها وجبالها وأوديتها. المعركة طويلة، والأرض واسعة، ولكن الرب أمين.
نظر نحو الغرب، حيث كانت أراضي الفلسطينيين ترقد في ظلام الليل. عرف أن صراعات عديدة تنتظر شعبه. لكنه عرف أيضاً أن هذه الأرض، بكل ما بقي منها، ستصبح يوماً ما مسكناً لشعب الله. وتنهد تنهيدة طويلة، كانت خليطاً من الشكر والتحدي والأمل. لقد رسم الطريق. والباقي على الأجيال القادمة.




