الكتاب المقدس

عزريا والبرص وصراع الممالك

كان الجوّ في أورشليم ثقيلاً ذلك الصيف، كأنّ السماء نفسها تئنّ تحت وطأة ذهبٍ كثيف. في السنة السابعة والعشرين ليربعام ملك إسرائيل، ملك عزريا بن أمصيا على يهوذا. كان صبياً في السادسة عشرة حين جلس على الكرسي، وستون سنة قضاها على العرش، أطول مما يتذكره أي حي. في البداية، كان الناس يرون فيه بارقة أمل، “ففعل المستقيم في عيني الرب”، كما كتب الكتبة. لكنّ الذاكرة البشرية قصيرة، والقلوب تميل مع الأيام.

كان عزريا، الذي دعاه البعض بعزيا، يحبّ البناء. شيّد الأبراج في أورشليم، وحصّنها. وسّع حدود المملكة جنوباً نحو إيلة على شاطئ البحر الأحمر. جيشه أصبح مُرهِباً، مُدجّجاً بآلات الحرب التي اخترعها بنفسه، تُوضع على الأبراج لترمي حجارة عظيمة وسهاماً. ازدهرت التجارة، وعمّ الرخاء. لكن مع السنوات، تسرب داء خفي إلى قلبه، كالسوس في خشب الأرز الفاخر. بدأ يرى في قوته قوته هو، وفي بركته بركته الشخصية. نسي ذلك التحذير القديم: “ليس للجلالة إلا ما أعطى من العلي”.

وفي ذروة مجده، دخل الهيكل يوماً ليُحرق بخوراً على مذبح البخور الذهبي. لم يكن من سبط لاوي، بل من يهوذا. وقف الكاهن عزاريا وثمانون كاهناً آخر بشجاعة، وتبعوه إلى داخل القدس. “ليس لك يا عزريا أن تحرق بخوراً للرب”، قالوا وأصابعهم ترتعد من هيبة الملك. “اخرج من المقدس فقد أذنبت، ولن يكون هذا لك فخراً من عند الرب الإله.”

غضب الملك، وكان البخور المر قبضة في يده. قبل أن ينطق بكلمة، بدا على جبينه بياض غريب، كالطلّ على حجر القبر عند الفجر. صرخ الكهنة فرأوه: برصٌ قد تفشّى في لحظات. أخرجوه مسرعين، وهو نفسه يهرول الآن، مذعوراً، من البيت الذي دنّسه. وعاش بقية أيامه في بيت منفرد، مقطوعاً من الجماعة، بينما دبّر ابنه يوثام شؤون القصر والشعب.

وفي تلك الأثناء، في المملكة الشمالية، كانت عجلة التاريخ تدور بسرعة مجنونة، وكأنما غضب الرب هناك أشدّ وأسرع.

في السامرة، مات يربعام بن يوآش بعد إحدى وأربعين سنة على العرش. دفنوه مع آبائه، ملوك إسرائيل. وملك مكانه ابنه زكريا. ستة أشهر فقط. ستة أشهر من حكم واهن، بينما تتآمر همسات القصور. ثم جاء شلوم بن يشيش، فقتله قتلاً أمام الشعب، وجلس على كرسيه. هكذا تمّت كلمة الرب التي قالها ليهو، الحفيد الرابع: “أبناءك إلى الجيل الرابع يجلسون على كرسي إسرائيل”.

لكن شلوم لم يهنأ بشيء. ملك شهراً واحداً. صعد من أرص إلى السامرة، رجل عنيف يقال له منحيم بن جادي، بجيش من المرتزقة الأشداء. حاصر ترسا، المدينة التي كانت عاصمة قديمة، ورفضت أن تفتح أبوابها له. فما كان منه إلا أن فتحها عنوة، وارتكب فظيعة لم تُسمع في إسرائيل: شقّ جميع حواملها. دم وصراخ طفولي لا يُنسى. أصبح ملكاً على الأرض التي خربها.

عشر سنوات حكم منحيم، وكان ظلاً لآحد أسلافه. “لم يحدّ عن خطايا يربعام بن نباط”. وكانت أيامه أيام جزية ثقيلة. فجاء فول ملك آشور، ذلك العملاق الشرقي ذو اللحية المجعّدة والعينين الحادتين، يطالب بالمال والولاء. جمع منحيم ألف وزنة من الفضة من جميع الأغنياء، خمسين شاقلاً للواحد، ودفع لملك آشور ليثبّت الملك في يده. فسكتت آشور قليلاً، وارتفعت الضرائب في إسرائيل.

ومات منحيم فملك ابنه فقحيا. سنتان. ثم انقلب عليه قائده فقح بن رمليا، ومعه خمسون رجلاً من جلعاد. اقتحموا القصر في السامرة، وقتلوا فقحيا وأرجوب وآريه في غرفة الحريم، في أقبح خيانة. وملك فقح عوضاً عنه عشرين سنة، وكان شرّاً كسابقيه.

وفي يهوذا، كان يوثام يدير المملكة منذ زمن، وبعد موت أبيه عزريا الأبرص ملك رسمياً. بنى هو أيضاً باباً علياً لهيكل الرب، ومدناً كثيرة في الجبال. لكنّ “الشعب كان لا يزال يفسد”. وكأنما فساد القمة نزّ إلى القاعدة. يوثام نفسه “فعل المستقيم”، لكن المقدسات على التلال لم تُهدم، والشعب كان لا يزال يذبح ويُحرق بخوراً هناك، في ضباب الأصنام.

وفي السنوات الأخيرة ليوثام، بدأت الأرض ترتجف. بدأ فقح وإسرائيل في التمرد على آشور، ودخل في حرب دموية مع يهوذا. أخذ فقح ألوفاً من السبي من أورشليم، وقتل وخرّب. لكن الرب لم يترك الأمر. جاء رصين ملك آرام، وتغلغا فلاسر ملك آشور، كخريف قاسٍ على شجرة مريضة. أخذ آشوريون المدن الكبرى في الشمال: عيّون، وآبل بيت معكة، ويانوح، وقادش، وحاصور، وجلعاد، والجليل، كل أرض نفتالي. وسبوا أهلها إلى آشور. كانت بداية النهاية، كسقوط الأوراق الأولى قبل العاصفة.

ومات يوثام فدفن مع آبائه. وملك ابنه آحاز، رجلاً مختلفاً تماماً، سيرسم بيديه نهاية مأساوية أخرى.

وهكذا دارت السنوات، ملك بعد ملك، خطيئة بعد خطيئة. كان القلم الإلهي يسجل بلا كلل: “في السنة الثانية لفقح… في السنة الثامنة والعشرين لعزريا… في السنة الثامنة والعشرين ليربعام…”، كدقات ناقوس لا يرحم. كان بعض الملوك يقتلون بحد السيف، وبعضهم يموتون في فراشهم، لكنّ السجّل ينتهي دائماً بالعبارة نفسها: “وعمل الشرّ في عيني الرب، لم يحد عن خطايا يربعام بن نباط الذي جعل إسرائيل يخطئ”. وكأنما أصبحت الخطيئة ميراثاً لا يُفلت منه، وقيداً ثقيلاً تجرّه المملكة الشمالية نحو هاوية، بينما تسير الجنوبية، ببطء ولكن بثبات، على الطريق نفسه، تحت ظل أبراج عزريا التي صمدت، وبرصه الذي لم يُشف.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *