الكتاب المقدس

تحضير داود لبناء الهيكل

كان الجوّ بارداً ذلك المساء في أورشليم، ونسيم آذار العليل يدخل من النافذة المشرعة على بيت الأرز. كان داود الملك جالساً على بساط من الصوف، تحيط به لفائف من الرقوق، وأمامه لوح من الخشب محفور عليه أرقام وحسابات. عيناه المتعبتان تنظران إلى ما لا يُرى، إلى حلم لم يقدر أن يلمسه بيديه. تذكر الوحي الذي أتاه من الرب عبر النبي ناثان: “لن تَبْنِي أنت بيتاً لاسمي، لأنك رجل حروب وسفكت دماً”. كانت الكلمات لا تزال تتردد في أذنيه، مرة كالحكم، وحلوة كالوعد، لأنها كانت متبوعة بكلام عن ابنه الذي سيكون رجل سلام وسيبني البيت.

سمع وطء أقدام خفيفة على البلاط. التفت فإذا بسليمان، ابنه الصغير، يقف على عتبة الحجرة، شعره الأسمر المتطاير يلمع في ضوء المصباح الزيتي.
“أتسمح لي بالدخول، يا أبي؟”
ابتسم داود، ومد ذراعيه. “تعال، يا بني. اجلس هنا بقربي.”
جلس الصبي متكئاً على كتف أبيه، ونظر إلى الألواح والأرقام. “ماذا تعمل، يا أبي؟”
تنهد داود تنهيدة طويلة، امتزج فيها الحزن بالفرح. “أعدّ، يا سليمان. أعدّ لما لم أستطع أن أفعله أنا، لكنك ستفعله أنت.”
رفع إحدى الرقوق بيد مرتعشة بعض الشيء. “انظر. هذا سجلٌ لما جمعناه للرب. مئة ألف وزنة من الذهب، وألف ألف وزنة من الفضة، والنحاس والحديد لا يُوزَنان لكثرتهما. الخشب والحجر قد هيأناه، والصنّاع والحفارين والنجارين وكل ذي مهارة سيكونون تحت أمرك.”

نظر سليمان إلى عيني أبيه، فرأى فيهما بريقاً غريباً، كأن كل أحلام أربعين سنة من الملك والتعب والحرب قد تراكمت هناك، تنتقل الآن إليه في صمت. لم يكن يفهم كل شيء، لكنه شعر بثقل المسؤولية، وبحرارة الحب الذي يدفع هذا الإعداد الدؤوب.
“لكن لماذا لا تبني أنت البيت، يا أبي؟ أنت الملك.”
أغمض داود عينيه لحظة، وكأنه يسترجع مشاهد طويلة من ساحات القتال، صراخ الجنود، وقع السيوف، صليل الدروع. فتحهما وقد ابتلت زاويتاهما بدموع خفية.
“الطريق التي سلكتها لبناء المملكة كانت طريقاً من الدماء، يا بني. وكانت ضرورية، كما قادنا الرب. لكن بيت الرب ينبغي أن يُبنى في سلام كامل، تحت ظل راحة من كل الجهات. أنت الذي ستحمل هذا السلام، وسيكون اسمك سليمان، من السلام. هو اختيار الرب، وهو الصواب.”

قام داود ببطء، وأمسك بيد ابنه. “تعال.”
قادَه عبر الأروقة إلى مخزن خاص ملاصق للقصر. عندما فتح الباب، انبعثت رائحة خشب الأرز والذهب والأطياب. كانت الغرفة مليئة بكنوز لا تحصى: قضبان ذهب مرصوصة، قطع فضة مصقولة، أكوام من أحجار كريمة، برونز لمّاع. وفي الزاوية، قطع ضخمة من خشب الأرز اللبناني المعطّر، جاهزة للنشر والبناء.
“كل هذا، يا سليمان، جمَعْتُه من أجلي؟” سأل الصبي مندهشاً.
“بل من أجل الرب، ومن أجل شعب إسرائيل. ولكن نعم، من أجلك أيضاً، لأنك اليد التي ستشيده.” وضع داود يده على كتف ابنه. “الآن استمع إليّ جيداً. الرب يكون معك، فتُفلح وتَبني بيت الرب إلهك كما تكلم عنك. هو يمنحك حكمة وفهماً، ويأمرك بحفظ شريعته. فتشدد وتشجع. لا تخف ولا ترهب. هوذا بتعبي قد هيّأت للبيت مئة ألف وزنة ذهب، وألف ألف وزنة فضة. وأما النحاس والحديد فبلا وزن. فقُم واعمل، والرب يكون معك.”

كان صوت داود يرتفع وينخفض، تارة كهمسة المحبّ، وتارة كنداء القائد. عيناه لا تفارقان وجه سليمان، كأنه يريد أن ينقش كل كلمة في قلب الفتى.
“شيء آخر مهم، يا بني. ستحتاج إلى الكثير من المساعدة. لذلك قد أمرت كل رؤساء إسرائيل أن يعينوك. الرجال الأبطال، الحكماء، كل القلبين والعاقلين في كل عمل. لا تتردد في طلب المشورة، ولا تستنكف من تعلم حتى من أدنى الصنّاع. بناء بيت الرب ليس مجرد رفع حجارة، بل هو رفع قلوب الشعب كله نحو السماء.”

عادا إلى حجرة الدراسة. كان الليل قد انتصف، وصوت حارس الليل يصدح في الخارج معلناً الساعة. جلس داود وكتب بيده خطاباً إلى جميع القادة، يوضح فيه إرادة الرب، ويعلن تولية سليمان لهذا العمل الجليل. كانت كلماته موجّهة إليهم، لكن روحها كانت رسالة حب أخيرة من أب إلى ابن.
“وانظر، يا سليمان،” قال وهو يضع القلم، “سيكون البيت عظيماً، لأن إلهنا عظيم، فوق كل الآلهة. ولكن عظمته الحقيقية ليست في ذهبه ولا في فسيفسائه، بل في أنه بيت صلاة للشعب كله. مكان يلتقي فيه الخاطئ بالنقاء، والحزين بالتعزية، والتائه بالهدى. تذكّر هذا دائماً.”

قبل الفجر، حين كانت أولى أضواء الفجر تشق ظلمة السماوات، كان سليمان نائماً، مرهقاً من المشاعر والأحلام الجديدة. أما داود، فقد بقي جالساً في مكانه، ينظر من النافذة نحو جبل المريا، حيث كان يرتفع بيد الخيال صرحٌ من الرخام والذهب، لمسه غير ممكن، لكن قلبه كان مليئاً به. كان يعلم أن يديه المشققتين من السيف والقوس لن تلمس حجارة ذلك الهيكل، لكن كل حجر فيه سيحمل شيئاً من روحه، من شوقه، من إيمانه.

وهكذا، بينما كانت المدينة تبدأ بالاستيقاظ، كان الملك العجوز يهمس صلاة شكر أخيرة، لأنه رأى بعين الإيمان ما لم تستطع عين الجسد أن تراه: بيتاً للرب، مبنيّاً على يد ابنه، قائماً إلى الأبد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *