الكتاب المقدس

عطش الروح في المنفى

كان النهار يميل نحو الغروب، والغابة المحيطة بجدول المياه تتنفس بصمتٍ ثقيل. وقف “كالب” تحت ظلّ سندبة عتيقة، ينظر إلى المياه المتدفقة بتلك النغمة الرتيبة التي كانت تذكّره دائمًا بزمانٍ آخر. لم تكن عيناه تريان الجدول فقط، بل كانتا تشربان من ذكرى بعيدة: ذكرى الهيكل، وارتفاع التسبحة مثل بخور الفجر، ووجوه المخلصين في طريقهم إلى أورشليم. الآن، هو هنا، في أقصى الشمال، في أرض غريبة تئنّ تحت وطأة الغربة.

كانت الريح تحمل همسات من وراء الجبال، همساتٍ كانت تصل إليه أحيانًا كصدى لسؤال مؤلم: “لماذا أنت منحنية يا نفسي، ولماذا تئنين في داخلي؟”. كان السؤال ينبت في صدره كشوكة لا تُقلع. لم يكن جوعًا للخبز، ولا عطشًا لهذه المياه العذبة التي تلمع تحت آخر خيوط الشمس. كان شيئًا أعمق، جوعًا من نوعٍ آخر، كغزال يلهث على شاطئ نهر جافّ، بينما تسمع قرقعة المياه خلف السدود البعيدة.

تذكّر أيامًا كان يسبح فيها مع الجماعة في بحر الفرح، يوم كان يرتل معهم: “لأنّك أنت إله قوتي… لماذا نسيتني؟”. الكلمات كانت تأتي الآن مغمورة بمرارة الواقع. لقد نُسِيَ، أو هكذا شعر. فقد صوته وسط ضجيج المنفى، وفقد طعم الصلاة على لسانه. كانت دموعه طعامًا له في النهار والليل، بينما يسمع همسات الأعداء تتسلل كالأفاعي: “أين إلهك؟”.

في الليل، تحت عباءة الظلام المرصعة بنجوم لا تعرفه، كان يحاور نفسه. كانت النفس تتقلب كمركب في لجة. مرة تهمس له بالأمل، بأنّ رحمة الله ستأتي كفجرٍ لا محالة، ومرة أخرى تغرقه بموجة من اليأس، موجعة كالسياط. “لماذا تنسحقين يا نفسي، وتضطربين فيّ؟” كان يقول لها، ويجتهد أن يصدّق أن بعد هذا الليل الطويل سيكون تسبيح، أن بعد هذا العطش سيكون ارتواء.

وفي أحد الأيام، بينما كان يجلس على صخرة مطلة على وادٍ سحيق، هبّت عاصفة هوجاء. جاءت الغيوم سوداء كالحِداد، وانهمر المطر بغزارة، ورعدت السماء بصوتٍ عظيم. لكن وسط ذلك كله، لم يخف كالب. بل أدار وجهه نحو العاصفة، وكأنه يرى فيها مرآةً لحالته. أمواج البحر في داخله كانت تزأر وتتصاعد، لكنّ صوتًا آخر، صوتًا هادئًا عميقًا، بدأ يرتفع من أعماقه.

بدأ يترنم، في البداية همسًا، ثم صوتًا يعلو فوق صوت المطر: “بِالله خلاص وجهي ومجدي… هو صخرتي، فلن أتزعزع”. لم تكن الكلمات سحرًا يزيل العاصفة، لكنها كانت مرساة في قلبها. تذكّر أن العطش نفسه دليل على وجود الماء. وأنّ هذا الشوق المؤلم إلى الله، هو في حقيقته، حضورٌ من نوعٍ آخر. الله لم يغب، بل كان يُلمَس في جوع القلب إليه، كما يُلمَس الجذر في عطش الشجرة نحو الأعماق.

لم يتوقف الألم بين ليلة وضحاها. ولم تختفِ غربته. لكن شيءًا ما تغير. كان يشبه رجلًا يمشي في نفق مظلم، لكنه بات يشمّ رائحة الهواء الطلق من نهايته. صار سؤاله “لماذا نسيتني؟” لا ينبع من اليقين بالنسيان، بل من الثقة بالذاكرة التي لا تنسى. صار نداءً، لا شكوى.

وفي صباح هادئ، بينما كان الضباب يرفع ستائره عن الجبال، نظر كالب إلى الجدول المتدفق. رأى انعكاس السماء في الماء، وانعكاس وجهه المتجهم أيضًا. ثم أدار عينيه نحو الأعالي، نحو تلك الذكرى التي صارت رجاءً. وهمس، وكانت الشمس تلمع في دموعه المتبقية: “رجِّي الله، فإنّي بعد أحمده، خلاص وجهي وإلهي”. كانت الكلمات كندى على أرض محروقة. لم تكن النهاية، بل كانت بذرة الصباح الجديد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *