كان النهار يُسحب من أفق القرية كما تُسحب الغِلالة الذهبية من وجه الفجر. جلستُ مع جدي على دكة البيت الطينية، وكانت يداه المليئتان بتعرجات الزمن تدسان التبغ في شبكة الغليون. رائحة التمر والهيل تفوح من الداخل حيث تعد جدتي خبز العشاء. قال لي جدي بصوته الذي يشبه حفيف السعف: “يا بُني، الحكمة لا تُقرأ في الكتب وحدها، بل تُقرأ في وجه الرجل الذي يجرّ عربته بيدٍ شقّها العمل، وفي عيني المرأة التي تحفظ بيتها من العَوَز.”
كانت تلك بداية حكاية طويلة، حكاية يوم واحد فقط من أيام جدي، لكنه يوم حَفَر في قلبي دروسًا صمدت أمام سنين كثيرة.
في الصباح، ذهبنا إلى السوق. كان السوق دوّارة من الأصوات والروائح: صياح بائعي البقل، ونَقْق الدجاج، وصوت منشار الخشّاب البعيد. وقف جدي أمام دكّان صاحبه حمّودة. كان حمّودة يزن للناس زيتونهم بالميزان الحديدي الكبير. قال جدي لي بهمس: “انظر إلى يديه يا بُني. الميزان والمكاييل العادلة من للرب، وكل الأوزان في جيبها حجارة.” كنت صغيرًا لم أفهم تمامًا، لكنني رأيت عينَي جدي لا تفارقان حركة يد التاجر. ثم جاء رجل فقير بثوب مرقّع، يريد بيع سلة من التين. رأيت حمّودة يضع إبهامه بخفة على حافة الميزان بينما يرفع الصحن. نادى جدي بصوته الهادئ الذي يقطع ضجيج السوق: “يا حمّودة، التين هذه الأيام ثقيل كالحصى، أم أن الميزان هو الذي خَفَّ؟” ارتبك الرجل، وأعاد الوزن، وكان وجه الفقير يستعيد لونه. لم يقل جدي أكثر من ذلك، سار وانا خلفه. قال: “الغَشُّ شُعبة من النار، تُخفيها الآن تحت التراب، لكن الريح ستنقلب فتكشفها.”
مررنا بحانوتي. كان هناك شجار. رجلان يحتجّان على آخر، كان وجهه أحمر من الخمر. الصوت كان عاليًا، والشتائم تطير كالذباب المنتن. أمسك جدي بكمي وابتعد. “الخمرُ مُهَيّجة، والبيرة مُشاجِرة، ومن يضلّ بسببها فليس بحكيم.” سألته: “لكن أليس فيها متعة؟” نظر إليّ نظرة فيها حزن عميق: “المتعة التي تتركك عارياً في ساحة القرية، وتجعلك ثرثارًا يفضح أسرار أبيه، أتسميها متعة؟ إنها سرقة للعقل، يا ولدي. والعقل أمانة.”
عدنا إلى البيت وقت القيلولة. كان خالي يزورنا. وهو رجل يعمل في المدينة، جاء بثياب فاخرة وحديث عن صفقات كبيرة. كان يتكلم عن أموال سريعة، عن مكاسب من “هواء” كما قال. كان جدي يصغي، يشرب قهوته بصمت. ثم قال لخالي: “الكنز المطلوب بالكذب هو رفيق الموت، وزفرات الهاربين. الصدق، حتى لو قلّ، يُبني عليه بيت.” غضب خالي قليلاً، ثم انصرف. بعد أيام، سمعنا أن صفقته كانت فخاً، وخسر كل شيء. تذكرت كلام جدي: “من يزرع غشاً يحصد ريحاً، ومن ينفخ في نار الغرور تُحرق يديه أولاً.”
عند المساء، جاء جارنا الصياد يوسف. كان مهموماً. سأله جدي عن حاله. قال يوسف إن ابنه يريد ترك البحر والعمل في المدينة. قال جدي: “البحر قاسٍ، لكنه لا يخون من يعرف أصوله. الإنسان يخطط لطريقه، والرب هو الذي يثبت خطواته.” ثم أضاف: “لا تطلب من الصبي أن يكون نسخة منك. الرب أعطى كل إنسان بصمته على البحر والبر. شجّعه على أن يسير في الطريق المستقيم، وباركه، والباقي على الرب.”
قبل أن ننام، أطفأ جدي المصباح الزيتي. قال في الظلام: “أتعلم، يا بُني، أعظم سرقة يسرقها الإنسان هي سرقة كرامة نفسه. حين يكسل وهو قادر على العمل، حين ينافق لينال حظوة، حين يعد ولا يفي. الرب يختبر القلوب والأكباد. والناس قد يرون الثياب، لكن الرب يرى الخرقة التي تختبئ تحتها.”
تلك كانت حكايات اليوم الواحد. كلمات جدي لم تكن كلمات مُعلّقة في الهواء. كانت كخبز جدتي: مُشبّعاً بقمح أرضنا، مُعجوناً بماء بئرنا، مُخبوزاً بنار حطبنا. كانت حكمة متجسدة في رجل عرف أن الرب صنع كليهما: السمع والبصر، القلب الذي يخفق واليد التي تعمل. وكان يعلم أن الحياة، في النهاية، هي أن تسير في الطريق، وأن مصباحك لا ينطفئ، لأن النور الذي يسطع من أفعالك أصدق من كل الكلمات.




