كان الهواء في أورشليم ثقيلاً، حاملاً معه رائحة البخور الفاسد ودخان الذبائح التي لم تكن له. كانت الشمس تميل نحو الغرب، مُلْقِيةً بظلال طويلة على جدران المدينة التي بدت وكأنها تتوارى خجلاً من خطايا سكانها. كنتُ أجلس على مصطبة قرب باب الضّعف، أتابع باهتمامٍ حركة الناس القادمين والذاهبين، وكلٌّ منهم يحمل همومه الخاصة. ولكن كان هناك همٌّ أكبر يثقل كاهل المدينة، همٌّ لا يراه إلا قلّةٌ منّا.
منذ سنوات، وأنا، حَنَانِيَةَ بن يوئيل، الشَّيْخ العَجُوز، أرى التَّغَيُّر يتسلل إلى قلوب أهل يهوذا كالسوس في الخشب. يقدمون ذبائح في البساتين، على تلال مُشرفة، ويدخنون على اللَّبْنِ المَبْنِيِّ، ويقيمون الولائم في المقابر طلباً للحكمة من الأموات. يملأون أوانيهم بخمر مُسْكِر، ويسمون آلهة غريبة بأسماء لم نعرفها آباؤنا. وهم مع ذلك يقفون في الهيكل، ويترنمون بترانيم داود، وكأن الرب لا يرى ما في الخفاء.
تذكرتُ كلمات جدي، رجلاً صالحاً من بقية السَّبْط، كان يقول: “الرب كالنار آكلة، غيور على عهده”. وها نحن نُقدِّم النار لغيره. صعد دخان بخورهم كرائحة نَتِنَة إلى السماء، وصارت صلواتهم كصوت نحاس يطن أو صنج يرن. كنتُ أدعو في الخفاء، وأسكب نفسي كالماء أمام الإله الحقيقي، وأقول: “ها أنا، ها أنا”. كان قلبي ينفطر عندما أرى الشبان، أبناء جيراني وأقربائي، يندفعون وراء هذه الأباطيل كالقطيع الذي لا راعي له.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت المدينة نائمة تحت غطاء من الظلمة الداكنة، جاءني حلم. لم يكن حلماً عادياً، بل كان رؤيا واضحة كضوء الصباح. رأيتُ الرب واقفاً كمن ينتظر، يداه ممدودتان طوال النهار إلى شعبٍ عَنِيدٍ ومُقَاوِم. سمعتُ صوتاً يقول: “هَئَنَذَا لَمْ أَكُ مُنْطِقاً، وَلَمْ تَدْعُنِي”. رأيتُ الشعب يسلك في طريق لم يُرضه، يتبعون أفكارهم الخاصة التي ليست أفكار الرب. ثم انقسمت الرؤيا إلى مشهدين.
المشهد الأول كان جبلاً من الرماد والعظام المحروقة. كان هناك رجال ونساء يُعَذَّبون بعطش لا يُرْوَى، ويصرخون من جوعٍ لا يشبع. كان اسم المكان “سيفاً لذبيحة”. كانت عيونهم مليئة بالندم المتأخر، وصراخهم يصل إلى السماء، لكن الوقت كان قد فات. سمعتُ الصوت مرة أخرى: “هَأَنَذَا أُعَدُّ لِخِدْمَتِكُمْ قَتْلاً، لأَنَّكُمْ لَمْ تَدْعُونِي”. كان العدل يُنفَّذ بكل رهبته.
ثم تبدل المشهد فجأة. رأيتُ جبلاً جديداً، وأرضاً جديدة. كان هناك فرح عظيم، وسمعتُ صوت بكاء طفل وصراخ شيخ من الألم، لكنهما لم يكونا موجودين. كانت الدموع قد مُسحت من كل الوجوه. رأيتُ بيوتاً تُبْنَى، وكُرُوماً تُغْرَس، وشعباً يزرع ويعيش ليحصُد. كانوا يَتَمَتَّعُونَ بِعَمَلِ أَيْدِيهِمْ. لم يكن هناك صراخ ولا حزن في شوارعهم. كانت الذئاب والحملان ترعى معاً، والأسد يأكل التبن كالثور. كان السلام كالنهر يجري بينهم. وقبل أن أستيقظ، سمعتُ الوعد الأخير، واضحاً كجرس الهيكل: “قَبْلَ أَنْ يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَبَيْنَمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ”.
استيقظتُ والصباح يدخل من كوة صغيرة في حجرتي. كان هناك رجاء جديد ينبض في صدري، رغم عظامي التي تئن من الكبر. خرجتُ إلى شرفة بيتي الصغير التي تطل على وادي قدرون. نظرتُ إلى المدينة، إلى الهيكل في الأعلى، وإلى البيوت المتلاصقة. علمتُ أن الدينونة قادمة لا محالة، كالسيف المسلول. سيدوس الرب في يوم انتقامه، وسيكون مصير المتمردين عاراً أبدياً. لكني علمتُ أيضاً أن هناك بقية. نحن، الذين نسكب أنفسنا طالبين وجهه، الذين نقول “يا رب” من قلوب منسحقة، سنكون نواة الشعب الجديد.
نظرتُ إلى مجموعة من الأطفال يلعبون عند الجدار. تذكرتُ الوعد: “لا يُتْعَبُونَ بَاطِلاً وَلا يَلِدُونَ لِلرُّعْبِ، لأَنَّهُمْ نَسْلُ مُبَارَكِي الرَّبِّ”. ابتسمتُ. النهاية لم تكن نهاية. بل كانت بداية عهد جديد، حيث لا يُخْزَى بعد الآن، وحيث يكون الشعب بركة، وتكون أورشليم فرحاً، وتكون الأرض عروساً جميلة تبتسم تحت بركة سيدها. كانت الشمس الآن ترتفع، تدفئ عظامي العجوز. أغمضتُ عينيّ، وشكرتُ، لأن الرب، رغم كل شيء، لا يزال هو الرب. وهو سيفي ما وعده. لأن أفكاره ليست كأفكارنا، وطرقه أعلى من طرقنا. وها هو النور الآتي من علٍ، سيبدد الظلمة في النهاية.




