في تلك الأيام، عندما عاد الشعب من سبي بابل، واستقرت الحياة في أرجاء يهوذا وكأنها غيمة هادئة بعد عاصفة، أتت كلمة الرب إلى حزقيال الكاهن، رجل ذو نظرة ثاقبة وعينين رأتا مجد الله بكل رهبته. لم تكن الرؤيا كسابقاتها، بل كانت ثقيلة كالرصاص، حارقة كالجمر، تتكلم عن أيام بعيدة، أيام حين لا يعود السيف يخيف أحداً، وحين تنساب الحياة في أرض إسرائيل وكالنهر الهادئ.
تلك الأيام، كما قال الرب، ستكون فخاً. نعم، فخاً من نوع عجيب. فستستقر المدن الخربة وتُبنى، وتُزرع الكروم والزيتون على المنحدرات التي شربت ذات يوم دماء الغزاة. سيعيش القوم في طمأنينة، بلا أسوار عالية أو حراس متيقظين، يثقون بأن السلام هو سيد الموقف. ولكن في أقصى الشمال، في تلك النواحي الغابرة حيث الضباب الدائم والبرد القارس، هناك شخص يعد العدة. هو جوج، أرض ماجوج، رئيس روش وماشك وتوبال. اسمه يتردد في أذهان الشعوب القديمة كهمس للشر، كذكرى سحيقة لبطش لا يرحم.
كان جوج هذا كالذئب الذي يشم رائحة الحمل من مسيرة أيام. جلجلت في ذهنه أفكار شريرة، أفكار لم تولد من حاجة أو نقص، بل من حسد قديم، من رغبة عاتية في السلب والتملك. قال في قلبه: “هل أترك تلك الأرض المعفرة تصير جنة؟ هل أتفرج على أولئك القوم الضعفاء يجمعون الثروات وهم بلا حماية؟ إنها فرصتي. سأقود جموعي إليها كالسيل الجارف، وآخذ كل ما فيها: قطعان الماشية التي تكسو التلال، والفضة والذهب التي تلمع في خزائنهم، والأواني المنمقة التي لا عدد لها.”
وهكذا بدأ التجمع. جاءوا من أقاصي الأرض، كتائب لا تحصى. جاء الماشكيون والتوباليون، رجال قساة الوجوه، يلبسون دروع جلد الدلافين ويحملون تراساً ضخمة. وانضم إليهم فارس وجومر، أولئك الرماة الذين لا يُخطئون سهمهم، والشعب الكوشي الذي جاء من جنوب مصر، والفوطيون الذين يجيدون فن الحرب ببراعة. وجميعهم خضعوا لقيادة جوج، المتغطرس الذي رأى نفسه سيد العالم.
تقدم الجيش كالسحابة السوداء تغطي الجبال. صوت حوافر الخيل كان كهدير البحر في عاصفة. صليل السيوف على الدروع كان يشق صمت البرية. تسلقوا الجبال، واخترقوا الممرات الضيقة، حتى وصلوا إلى مرتفعات إسرائيل. ونظر جوج من علو، فرأى قرى متناثرة كقطع الغنم، وحقولاً ذهبية تنحني تحت ثقل السنابل، ومدناً صغيرة لا حراس على أبراجها. فانتفخت أوداجه غروراً، وضحك ضحكة مجلجلة وقال لمن حوله: “هذه هي الأرض التي ستصير ملكاً لي. غداً، مع أول خيوط الفجر، سأنقض عليها كالنار تأكل القش.”
لكن عيناً أخرى كانت تراقب. عين الرب التي لا تنام. وفي تلك اللحظة، عندما بلغ الغرور ذروته، وتكدست الخطط الشريرة في قلوب الغزاة، اشتعلت غيرة الرب. قال الرب بحزقيال: “في ذلك اليوم، يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل، يحمى غضبي. بناري غيرتي تكلمت.” لم يكن هذا غضباً عادياً، بل كان رعباً قديماً، قوة الطبيعة نفسها تثور على من يتحداها.
بدأت العلامات صغيرة. رعد بعيد، ثم آخر أقرب. لم تكن سحب الشتاء المعتادة، بل كانت سحباً نحاسية ثقيلة، منخفضة وكأنها تلامس رؤوس الرماح. ثم هبت ريح شرقية حارقة، لم تأت من البحر بل من قلب الصحراء، حاملة معها رائحة الكبريت والرماد. ارتبكت الخيول، ورفست بحوافرها، وعيونها تحولت من شر إلى رعب صامت. ارتجفت الأرض تحت أقدام الجيش الهائل، ليس كزلزال عظيم، بل كارتجاف حيوان ينتفض تحت وطأة جرح عميق.
ثم انفتحت السماء. لم يكن مطراً، بل نار وحجارة برد. نار مختلطة بحجر البرد، تهطل بغزارة لم يرها البشر من قبل. أحرقت الدروع والسيوف، واهتزت الأرض من قوة ارتطام الحجارة. صار كل شيء فوضى. صرخات القادة اختلطت بصهيل الخيل ونحيب الجرحى. حاولوا الفرار، لكن الطرق اختفت. حاولوا القتال، لكن من يقاتل النار النازلة من السماء؟
وقال الرب: “وأدعو عليه سيفي، سيف كل واحد على أخيه.” هنا بلغت الكارثة ذروتها. في الظلام الدامس، تحت وابل النار والبرد، لم يعد الرجل يعرف صاحبه. صار السيف الذي كان مهيأً لذبح السكان، يُغرس في خاصرة الجندي الذي يسير بجانبه. ذهول تام، ورعب أعمى. الجيش العظيم، الذي اجتمع من أقاصي الأرض، صار يذبح نفسه بنفسه. كانت سخرية القضاء الإلهي: الشر الذي خططوا له، انقلب عليهم وأفناهم.
وعلى الجبال وفي السهول، بقي جثث لا تحصى. طعام لطيور السماء ووحوش الأرض. ستحمل رائحة الموت على رياح الصحراء سبعة أشهر، حتى يأتي من يدفن البقية، ليطهروا الأرض. وهكذا يعلم الجميع، من أقصى الأرض إلى أقصاها، أن الرب هو الإله. ليس إله محلي ضعيف، بل هو القادر على كسر أعتى القوى، والمدافع عن شعبه عندما يضعون ثقتهم فيه.
فهم حزقيال كل هذا، وكتبه بيد مرتعشة. لم تكن نبوة عن انتصار عسكري بشري، بل كانت شاهدة على حقيقة أبدية: أن الرب يقود تاريخ الشعوب، وأن الغرور البشري، مهما بلغت قوته، فهو كالغبار أمام ريح غضب القدير. وستبقى تلك الكلمات محفورة في الذاكرة، تذكيراً لأيام السلام بأن هناك إلهاً يراقب، وحكمة أعمق من كل حكمة الملوك والغزاة.




