الكتاب المقدس

رؤيا حبقوق في الظهيرة

كان الجوّ حاراً وكأن السماء نفسها تتنفّس ناراً. لا سحب، ولا حتى خيط رفيع من بخار يخفف من حدة زرقة السماء الصيفية. وقف حبقوق على السطح المسطّح لبيته في أورشليم، وكفّاه ممتدتان إلى جانبه، وكأنه يحاول أن يلمس شيئاً غير مرئي. من هنا، كان يمكنه أن يرى أسوار المدينة، بيوت الناس المتلاصقة مثل أسنان مشط مكسور، وفي الأفق البعيد، التلال التي تذبل تحت وهج الشمس.

لم يكن يستطيع أن يهرب من السؤال. كان السؤال يعيش في صدره، ينبض مع كل دقة من قلبه، ثقيلاً وحاراً كجوّ هذا النهار. كم من الوقت؟ كم من الوقت يا رب، وأنا أصرخ وأنت لا تسمع؟ أُنادي إليك “ظلم!” وأنت لا تُخلّص. لماذا تُريني الإثم، وتنظر إلى الجور؟ فالنّهب والعنف أمامي، ويحدث خصام وينتج نزاع. فيصير الشريعة مرخيّة، ولا يخرج الحقّ أبداً، لأنّ الشرّير يحيط بالصدّيق، فلذلك يخرج الحكم معوّجاً.

كانت الكلمات تخرج من فمه همساً خشنًا، موجّهة إلى السماء الصامتة. كان يتحدث إلى الله كما يتحدث الرجل إلى صديقه القديم الذي أصبح غريباً، بلهجة مركبة من الألم والألفة. لقد رأى بعينيه. رأى القاضي يأخذ الرشوة في الظل، ورأى الأرملة تُطرد من بيتها بقرار مزوّر، ورأى الأغنياء يبتلعون حقّ الفقير كما يبتلع الجراد السنابل الخضراء. وكان صوت الربّ غائباً. صمت السماوات كان أقسى من أيّ عاصفة.

انحنى، واضعاً كوعيه على حجر السطح، وغطّى وجهه بكفّيه المتصلّبتين من العمل. رائحة غبار الحجر المخلوطة بعرق جبينه ملأت أنفه. تذكر أياماً أخرى، أيام طفولته، حين كان يسمع الكهنة يقرأون عن عدل الربّ، عن محبّته لإسرائيل. أين ذلك العدل الآن؟ أين تلك المحبة؟ هل صمت الربّ يعني رضاه؟ أم أن خطايا الشعب قد بنت حاجزاً من حديد بين الأرض والسماء؟

بقي على تلك الهيئة وقتاً، لا يعرف مقداره. ثم، فجأة، كما ينقشع ضباب كثيف بوهج شمس، شعر بشيء يتحرّك في أعماقه. لم يكن صوتاً مسموعاً بالأذن، بل كان ككلمة تُنقش على لوح من لحم قلبه. كانت قوية، واضحة، ومُربكة تماماً.

**انظروا بين الأمم وأبصروا، وتحيّروا! تحيّروا! لأنّي عاملاً عملاً في أيّامكم، لا تصدّقون به إذا حُدث به.**

رفع حبقوق رأسه، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما. لم تكن تلك إجابة على شكواه. كانت شيئاً مختلفاً كل الاختلاف. لم يكن الربّ ينكر الظلم، بل كان يتحدث عن عمل. عمل جديد. صعدت قشعريرة على طول ظهره رغم حرّ الهواء.

وتابع “الصوت” الداخلي يتردد في كيانه: **ها أنا أقيم الكلدانيّين، الأمّة المُرّة الطائشة، الجائلة في رحاب الأرض لتملك مساكن ليست لها. هي هائلة ومخوّفة. من أمامها تخرج أحكامها وعظمتها.** كانت الكلمات كضربات مطرقة. الكلدانيون؟ ذلك الشعب البعيد من بلاد ما بين النهرين، المحاربون القساة الذين كانت أخبار شراستهم تصل أورشليم كهمسات مخيفة في الليل؟ الله سيقيمهم؟

جلس حبقوق على الأرض، ظهره يستند إلى الجدار الدافئ. رأى في مخيّلته، كما في حلم يقظ، موجات من الخيل المسرعة كالنمور، وجنوداً وجوههم قاسية كالصوان، راياتهم ترفرف كأجنحة طيور الجارحة. هم مرعبون ومخيفون، من أمامهم تخرج أحكامهم وعظمتهم. ثم جاءت الصورة الأكثر إثارة للرعب: كأن كل هؤلاء الجيش، بكل قسوته، هو مجرد أداة في يد إلهه. هو أقامهم. هم قضاته.

وتدفقت الرؤيا بداخله، قاسية، لا ترحم: **أسرع من الفهود خيلهم، وأحدّ من ذئاب المساء فرسانهم. وفرسانهم ينتشرون وينتشر فرسانهم، ويأتون من بعيد، يطيرون كالنسر المسرع إلى الأكل. كلهم للظلم يأتون. وجه زاحفهم إلى التقدم، ويجمعون سبياً كالرمل.** سمع في نفسه وقع حوافر لا ترحم، ورأى سحابة غبار لا تنتهي، ورأى القيود تُوضع على أيدي رجال ونساء من شعبه. كل هذا سيأتي. هذا هو “العمل” الذي يتكلم عنه الرب.

وتساءل، وكان سؤاله هذه المرة مليئاً بالرعب لا الشكوى: أأنت يا رب، من الأزل، إلهي قدوسي، ألست أنت؟ لن نموت. لكنك يا رب لتقضين قضاء، يا صخرة، لتأديبهم أسّستهم. عيناك أطهر من أن تنظرا الشرّ، ولا تستطيع النظر إلى الجور. فلماذا تنظر إلى الغادرين، وتصمت عند ابتلاع الشرّير من هو أبرّ منه؟

كان الالتباس أعظم الآن. كيف يمكن لإله قدوس، عيناه أطهر من أن تنظرا الشر، أن يستخدم أمة أشرّ وأكثر ظلماً من إسرائيل نفسها كعصا تأديب؟ الكلدانيون الذين يعبدون الأصنام، والذين لا رحمة في قلوبهم، الذين يأتون كلهم للظلم؟ هذا كمن يريد تنظيف وسخ بمياه آسنة!

هبط المساء رويداً رويداً، وصارت حرارة النهار تتراجع لتحلّ محلّها نسمة لطيفة تحمل عبق الريحان والنعناع البري. أضواء المصابيح بدأت تشتعل في البيوت تحته. لكن سلام المساء لم يصل إلى قلب حبقوق. لقد انتقل من صراخ من أجل العدل إلى مواجهة لغز عدل الله. كان الربّ قد أجابه، لكن الإجابة فتحت أبواباً من الأسئلة أوسع وأعمق من تلك التي أغلقتها.

نزل عن السطح بخطوات ثقيلة. ستكون الليلة طويلة. ستكون مليئة بالصلاة الجديدة، صلاة الرجل الذي رأى شيئاً من مخططات السماوات فانكسر فهمه الأرضي عليها. كان يعرف الآن أن الربّ يعمل، ولكن الطريق إلى ذلك العمل معتم وعاصف، ويبدو للعين البشرية وكأن الظلم ينتصر مرتين. لكن كلمة واحدة علقت في روحه، كفرس نجاة: “لن نموت”. الربّ قدوسه. الربّ صخرته. حتى في وسط العاصفة التي رأى وميض برقها الآن، تبقى هناك صخرة. والغد، سيبدأ حبقوق في الانتظار مرة أخرى، ولكن هذه المترة، ليس بقلب شاكٍ متذمر، بل بقلب مرتجف متأمل، يرقب الأفق متسائلاً: متى سيعلن هذا العمل المرعب نفسه؟ وماذا سيكون دور الربّ بعد أن ينتهي الجيش المُرّ من مهمته؟ كانت الأسئلة لا تنتهي. لكن الصمت السماوي لم يعد صمتاً. لقد تكلم. وكان على حبقوق، النبي الحائر، أن يعيش مع ثقل هذه الكلمات.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *