الكتاب المقدس

ريجاء في أزمنة صعبة

في تلك الأيام الأخيرة، كانت ريح شرقية حارة تهب على شوارع أفسس، حاملة معها غبار الطرق وغبار القلوب. كان عازر يجلس في ظل شجرة تين يابسة عند حافة بستانه، بينما كانت عيناه المتعبتان تتأملان الأفق حيث كانت الشمس تنزلق نحو الغرب كجمرة متخمة. في يده اليمنى، لفافة رقّية بالية، كلمات بولس إلى تلميذه تيموثاوس تلمع في نور المساء الأخير. كان يحفظها عن ظهر قلب، لكنه كان يستغرق في قراءتها كلما اشتدت وطأة الأيام.

“وستأتي أزمنة صعبة…” همس لنفسه، وصوته خشن كحجر البركة الذي لم يعد الماء يلامسه.

من الداخل، عبر النافذة المشرعة، كانت أصوات أحفاده تتصاعد في خصام على لعبة لا أهمية لها. صوت صفعة، ثم بكاء، ثم صراخ أمّ تهدد دون اقتناع. لم يكن ذلك غريبًا. فقد صار البيت في الأشهر الأخيرة مسرحًا لتنافس دائم، حتى على قطع الخبز. ابنته دروكة، التي كانت ذات يوم تملأ الدار ترانيم للإله الحي، صارت تتذمر من كل شيء: من ثمن الزيت، من غلاء القمح، من زوجها الذي يعود متأخرًا، ومن أبيها العجوز الذي لا يزال يضيء مصباحًا بزيت ثمين ليقرأ في هذه “اللفافات التي لا تسمن ولا تغني من جوع”.

كان عازر يعرف أن الكلمات التي في يده تتحقق أمام عينيه، كلمة كلمة. لقد رأى في السوق رجالاً يتبخترون في ثياب فاخرة، يتحدثون عن محبة الله وهم يحتالون على الأرامل ليستولوا على بيوتهن. وكان يسمع من دار الجار أصوات صلوات مزعجة، تهتز بنبرة النفاق، تدعو البركة على بيت لا يدخله إلا الظلم. حتى في الاجتماعات بين المؤمنين، لاحظ ذلك التحول الخفي: كلمات مجاملة تعلو، وقساوة تختفي تحت رداء الورع، وهمسات تنتقد خدامًا أتقياء لأنهم لم يعدوا “يكثرون الخيرات الدنيوية”.

تذكر عازر أيام شبابه، عندما كان الإيمان جمرة حقيقية تخترق الظلمة. كان الاضطهاد يلمّ بهم كالسيف، لكن المحبة كانت تلحم جراحهم. كانوا يعرفون أنهم غرباء، وكانت قلوبهم متشوّقة إلى الوطن الحقيقي. أما الآن… الآن صار كثيرون يريدون أن يكون هذا العالم وطنهم. يريدون راحة، ومكانة، وصيتًا طيبًا بين الناس. رأى شابًا موهوبًا اسمه مرقص يترك الخدمة لأنه وعد بتجارة في روما قد تجعله غنيًا. ورأى أرملة تقية اسمها بريسكلا تبتعد عن الاجتماع لأن نساء أخريات سخرن من ثيابها البسيطة.

نهض العجوز متئنّا، مفضّلاً الظلمة الآتية على الضجيج في الداخل. مشى ببطء نحو الكرم، حيث كان العنب قد جفّ وتشابكت الأغصان كأفاعي عطشى. هناك، في صومعته البسيطة – كومة حجارة غطاها سقف من جريد النخل – جثا على ركبتيه. لم تكن صلاته طويلة ولا بليغة. كانت أنفاسًا متقطعة مختنقة بالحزن: “يارب، الكلمات تتحقق. أصبح المحبون لأنفسهم، الطامحون للمال، المتعظمون… حتى داخل جدران بيوت الذين يدعون باسمك”.

في الليالي التالية، أصبحت صومعته ملجأ لقلبه المتعب. كان يفتح اللفافة، ويقرأ بصوت خافت: “ومثل هؤلاء هم الذين يتسللون إلى البيوت، ويسبيون نساءً محمّلات بخطايا، منقادات بشهوات مختلفة”. وفجأة، خطرت له صورة امرأة شابة، ابنة جاره، كانت تأتي أحيانًا تسأله عن المسيح. كانت متحمسة في البداية، ثم بدأت تتبع كل تعليم جديد، كل فكرة غريبة، تنتقل من بيت إلى بيت تسمع “معلمين” يعدونها بمعرفة أعمق، ببركات أعظم، بحرية مطلقة. رأى عينها تضيع في دوامة من التشويش. لقد “تعلّمت دائمًا، ولكن她们 لم تستطع أبدًا أن تصل إلى معرفة الحق”. كانت العبارة تدق في رأسه كجرس إنذار.

في أحد أيام السبت، جاء إليه حفيده الأصغر، غايوس، صبي في العاشرة، بعينين واسعتين كنجوم الليل. جلس بجانب جده دون كلام، ثم سأل فجأة: “جدّي، لماذا أصبح الناس سيئين؟”

نظر عازر إلى تلك البراءة التي توشك أن تذبل في هذا الجو الخانق. أمسك بيد الصبي وقال: “ليسوا جميعًا سيئين، يا غايوس. لكن الشيطان يعمل كما قال المعلم بولس: يقدم للناس صورة للإلهة دون قوته. يصنع لهم دينًا مريحًا، يبارك طمعهم، يغطي أنانيتهم، ويتركهم كما هم: محبين للذات، محبين للمال، متعظمين، مجدفين.”

ثم أخرج اللفافة، وأشار بإصبعه المرتعش إلى السطور: “انظر. هؤلاء يقاومون الحق. إنسان فاسد في عقله، مرفوض من جهة الإيمان.” توقف، وصوته ترقق. “لكن… لكن أنت، يا بني، قد تابعت تعليمي، وسلوكي، وقصدي، وإيماني، وأناتي، ومحبتي، وصبري. رأيت اضطهاداتي. تعرف ما حدث لي في أنطاكية، في أيقونية، في لسترة. إن جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون.”

كانت عينا الغلام تلمعان. “هل ستضطهدني أنا أيضًا إذا اتبعت المسيح حقًا؟”

ابتسم العجوز ابتسامة حزينة وحنونة. “ربما لا بالسيوف والسلاسل كما حدث لي. ولكن ربما بازدراء أقرانك، أو سخرية أقربائك، أو حتى عزلتك إذا رفضت أن تسير في طريق العالم. لكن تذكر: الكتب المقدسة قادرة أن تحكمك للخلاص، بالإيمان الذي في المسيح يسوع.”

أخذ عازر يتكلم عن الأسفار المقدسة التي عرفها من صغره، كيف أنها “من وحي الله”، وكيف أنها تُصلح وتُؤدّب في البر. رأى في عيني حفيده بذرة قد تنمو في أرض طيبة، رغم كل السموم التي تحيط بها. شعر بشيء من الرجاء يعود إليه، كنسيم عليل في وسط القيظ.

في تلك الليلة، كتب رسالة إلى ابنه المقيم في كورنثوس. لم يكن طويلاً، لكنه كان صريحًا، مملوءًا بشوق الأب الذي يرى العاصفة تقترب. ختمها بكلمات بولس: “أما أنت فثبت على ما تعلمته وأيقنت، عالمًا ممن تعلمت. وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة، القادرة أن تحكمك للخلاص.”

وعندما وضع القلم، سمع صوت دروكة من الغرفة المجاورة تتحدث إلى زوجها بنبرة حادة: “إنه يعيش في الماضي! العالم تغير. يجب أن نكون عمليين.”

أغمض عازر عينيه. نعم، الأزمنة صعبة. ولكن الحق لم يتغير. والنعمة ما تزال كافية. وكان يعرف أن عمله الوحيد، في هذه الأيام العاصفة، هو أن يثبت هو، ويعلّم من يريد أن يسمع، ويصلي، وينتظر. لأن كل ما كُتِبَ، كُتِب لأجل تعليمنا، حتى، عبر صبر الكتب وتعزيتها، يكون لنا رجاء. وكان هذا الرجاء، كنجم في دجى الليل، يكفيه ليوم آخر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *