الكتاب المقدس

حكمة الله في غرفة الدباغ

كان الجو في كورنثوس ثقيلاً ذلك المساء، كعادته في أواخر الصيف. رائحة مزيجة من ملح البحر وزيت المصابيح تملأ الأزقة الضيقة المؤدية إلى سوق البازيليكا. كان ديمتريوس يسير ببطء، حاملاً في داخله ثقلاً لم يستطع أن يسميه. كان تاجر أقمشة، ابن تاجر أقمشة، يتقن فن المساومة وحساب الربح والخسارة، ويعرف كيف يخاطب النخبة بألفاظ البلاغيين وأصحاب الفلسفة. لكن شيئاً ما كان ينقصه.

سمع عن ذلك المعلم اليهودي الجديد، بولس، الذي يجتمع مع حفنة من الناس في بيت أحد الدباغين قرب الميناء. قالوا إنه يتكلم عن إله مصلوب، عن حكمة تبدو جهالة. سخِر ديمتريوس في أول الأمر، إذ أي حكمة هذه التي تخلو من بلاغة سيسيرو، أو عمق أفلاطون؟ لكن الفضول، ذلك الذي قاد سفن أبيه إلى شواطئ لم يعرفها أحد، قاده ذات مساء إلى ذلك البيت المتواضع.

كانت الغرفة مكتظة برائحة الجلود والدباغة. الهواء رطب، والضوء خافت. لم يكن هناك منبر، ولا صف من التلاميذ يرتدون الثياب البيضاء. كان رجال ونساء من عبيد وحرّار، وجوه عليها آثار الشمس والتعب، جلوساً على حصر بالية. وفي الوسط وقف بولس. لم يكن طويل القامة، ومظهره – كما وصفه أحدهم لاحقاً – لم يكن فيه ما يخطف الأنظار. صوته لم يكن جهورياً كخطباء الساحة العامة. لكنه كان يتكلم.

تذكر ديمتريوس كلماته حتى الآن، بعد أسابيع. لم يبدأ بخطبة عن الفضائل، ولا بمقدمة فلسفية معقدة. تحدث ببساطة، كرجل يروي قصة عزيزة على قلبه. قال: “أيها الإخوة، لما أتيت إليكم، لم آتِ بسمو الكلام أو الحكمة، منادياً لكم بشهادة الله”. كان الصوت هادئاً، لكنه قطع حفيف الذباب وهمسات الحضور. “لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً”.

توقف ديمتريوس عند عتبة دكانه، ممسكاً بمفتاح الباب المعدني البارد. “إياه مصلوباً”. الكلمات تتردد في رأسه. أي حكمة في الموت على خشبة، عار في أعين الرومان، لعنة في نظر بني جلدته؟ كان عالم ديمتريوس قائماً على القوة، على العرض والطلب، على الحكمة التي تبني المجد وتجنّب الخزي. لكن هذا الرجل تحدث عن قوة في الضعف، عن مجد في الخزي.

استدار وفتح الدكان، دخل إلى الظلام الذي يعرفه جيداً. أضاء مصباحاً صغيراً، فتمايلت الظلال على لفائف الأقمشة الثمينة: أرجوان صور، وكتان مصري ناعم. هي حكمة العالم، متجسدة في ألوان ونسيج. جلس على مقعده الخشبي، وترك ذهنه يعود إلى ذلك المساء.

تحدث بولس عن حاله بينهم، أنه كان في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. اعترف بذلك! لم يحاول أن يظهر بمظهر البطل المتكامل. ثم قال الكلمات التي أشعلت في ديمتريوس شعوراً غريباً، كمن وجد ماءً بعد عطش طويل: “وكلامي وكرازتي لم يكونا بإقناع حكمة البشر، بل ببرهان الروح وقوته”. كان هناك شيء ما، غير الكلمات نفسها. كان هدوءاً غريباً، كان سلاماً يشبه البحر العميق تحت هيجان الأمواج السطحية. كان في عيني الرجل ثقة لا تنبع من ذكائه أو فصاحته، بل من يقين آخر، أعمق.

بدأ ديمتريوس يفهم، بشكل مبهم أول الأمر. حكمة هذا العالم، حكمة الفلاسفة تحت الأروقة، وخطباء الساحة، وحتى تجارته الذكية، كلها ستزول. هي محدودة، تنظر من الأرض إلى الأرض. لكن هناك حكمة أخرى، قال بولس إنها “حكمة الله في سر”، حكمة لم يدركها عظماء هذا الدهر. حكمة أعدها الله لأجل مجدنا، قبل الدهور.

رفع ديمتريوس نظره إلى لفائف الأرجوان. كم دفع فيها من مال، وكم تتوقع أن تربح. كلها أمور محسوبة. لكن تلك الحكمة الأخرى… كيف يمكن حسابها؟ كيف تزن سراً أبدياً؟ قال بولس كلمة علقت فيه: “إنما نتكلم بحكمة الله في سر، الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا”. لمجد *نا*. نحن، من في هذه الغرفة المظلمة، نحن العبيد والحرّار، والتجار الحائرون.

الأمر الأغرب كان ما قاله بعد ذلك. هذه الحكمة لا يمكن فهمها بالفطنة البشرية وحدها. “لأن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله، إذ عنده جهالة”. شعر ديمتريوس، وهو يستمع، بأن شيئاً في داخله كان يقاوم. عقله المدرب على الحساب والمنطق كان يصرخ: “هذا غير معقول!”. لكن شيئاً آخر، في أعماق قلبه، كان ينفتح كزهرة للندى. كان الروح، كما قال بولس. روح الله الذي يفحص كل شيء، حتى أعماق الله. كمن يعطيه عيوناً جديدة ليرى، وأذنين جديدتين ليفهم.

لم يتحول ديمتريوس في تلك الليلة. لكن بذرة زرعت. عاد إلى دكانه، إلى محادثاته، إلى حساباته. لكن شيء تغير. البلاغة التي كان يعجب بها صارت تبدو له كصفير طائر جميل، لكنه لا يطير إلى السماء. الحكمة البشرية صارت كمنزل فخم مبني على رمال ساحل كورنثوس، ينهار مع أول عاصفة. بينما كلمات ذلك اليهودي الضعيف، عن المسيح المصلوب، بقيت. لأنها لم تكن مبنية على إقناع لساني، بل على قوة لا من هذا العالم.

وها هو الآن، في دكانه الهادئ، ينظر إلى العالم بعينين مختلفتين. لا يزال تاجر أقمشة. لكنه يعلم، في قرارة نفسه، أن الحكمة الحقيقية، حكمة الله المحجوبة عن الحكماء والفهماء، قد أعلنت له، ليس في قصر الحاكم، ولا تحت رواق الفيلسوف، بل في غرفة مظلمة تفوح منها رائحة الجلود، على لسان رجل اعترف بأنه كان في خوف ورعدة. وهذه، كما بدأ يفهم، كانت القوة الحقيقية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *