الكتاب المقدس

نورٌ في ظلمة أفسس

كان الظلام دافئًا وكثيفًا، كوشاح ثقيل لفَّ الغرفة. لم يكن ظلامَ راحة، بل ظلامَ انتظار. جلَسَ مرقس، وكفُّه تحت ذقنه، يحدق نحو النافذة حيث كان آخرُ أثر للشفق يُذْبِلُ خلف تلال أفسس. كانت رائحة زيت المصابيح القديمة تختلط برائحة ورق البردي والأرض الرطبة. كان عنده صحيفةٌ بين يديه، كلماتٌ مكتوبة بخطٍّ يبدو متوترًا، وكأن الكاتب كان يمسك بالقلم بشدة: “الَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا…”.

رفع مرقس عينيه. كلمات يوحنا. كان يسمعها تُتلى في الجماعة أحيانًا، لكن الليلة، كانت تأخذه إلى أماكن أبعد. تذكر رائحة بحيرة طبريا في الصباح، رائحة الطين والماء والسمك. تذكر وجوهًا. صوت ضحكٍ خشن لسمعان بطرس، وعينَي يوحنا الحادتين اللتين كانتا ترى ما وراء الكلمات. وذاك الصوت. صوت يسوع. لم يكن مرقس من الاثني عشر، كان شابًا حينها، يتردد على أطراف الحلقة. لكنه سمع ذلك الصوت. سمعته يتكلم عن نور، وعن حياة أظهرتْ نفسها. وكانت هناك لحظة… لحظة واحدة مشهودة، في العلية، بعد القيامة. رأى يسوع. لم يلمسه، لكنه رأى. رأى جراح الأيدي، والعينين اللتين نظرتا إليه فشعر وكأن كل خفايا قلبه مكشوفة تحت ذلك النور.

هزَّ رأسه، عائدًا إلى الغرفة المظلمة في أفسس. النور والحياة. الكلمات القديمة كانت تحفر في ذاكرته. لكن ما علاقة هذا بحياته الآن؟ بحياتهم جميعًا؟ كان يعرف يوحنا العجوز، كان يراه في الجماعة، صوته ضعيف لكنه ثابت، وكلماته تخرج وكأنها تحمل ثقلاً من حقيقة صلبة. يوحنا لم يكتب عن نظريات. كان يكتب عن شيء اختبره. “شاهدنا”. “سمعنا”. “لمستْهُ أيدينا”. كان يشهد.

بدأ مرقس يقرأ مرة أخرى، لكن هذه المرة بصوت خافت، وكأنه يحاول أن يسمع صدى الكلمات في فمه: “وَالْحَيَاةُ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا…”.

توقف. الحياة الأبدية. ليست فكرة مجردة. كانت قد “أُظْهِرَتْ”. تجسدت في شخص. في مشي، في كلام، في لمسة، في نظرة. في ذلك اليوم، عند البحر، عندما طهّر لهم سمكًا على الجمر، وأكلوا معًا، وكان الصمت بينهم مليئًا بكل ما لا يُقال. كانت تلك الحياة. كانت هناك، قابلة للمشاركة. “الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.”

“شركة”. الكلمة علقت في الهواء. لم تكن مجرد كلمة أخرى. كانت مفتاحًا. يوحنا لا يدعوهم إلى نظام عقائدي فقط، بل إلى شركة. إلى مشاركة في تلك الحياة التي رآها ولمسها. شركة مع الرسل الذين عاشوا معه، وشركة، بشكل ما لا يُدرك كله، مع الله نفسه. مع الآب ومع الابن. ألم يكن هذا هو الشوق الذي كان يلفُّ قلب مرقس كل هذه السنين؟ شوق إلى أن يكون جزءًا من شيء حقيقي، شيء نقي، شيء يملأ الفراغ الذي كان يشعر به حتى في أكثر لحظاته انشغالاً بالخدمة؟

لكن يوحنا لم يتركهم في حالة من الترقب الحالم. جاءت الكلمات التالية وكأنها نفحة هواء بارد، حاضرة، واضحة: “وَهَذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: أَنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ.”

الله نور. العبارة بسطت كل شيء وعلقت في الوقت نفسه. نور. ليس مجرد رمز للصلاح. بل طبيعة. جوهر. وفي النور لا يمكن للظلمة أن توجد. لا يمكن أن تشاركه المساحة. هذا يعني شيئًا بالنسبة لشركتهم. لا يمكن أن تكون الشركة مع هذا النور وهي محتفظة بزوايا مظلمة، بأسرار فاسدة، بأكاذيب نعتاش عليها.

وانتقلت عينا مرقس إلى السطور التالية، وكانت كأنها مرآة وضعت أمامه: “إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ مَعَ بَعْضِنَا، وَدَمُ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ.”

سار في الظلمة. كم مرة فعل ذلك؟ ليس في الخطايا الفادحة التي تخطر على بال الجميع، بل في ظلمة الأنانية الخفية، في ظلمة الغيرة التي يخفيها تحت غطاء الغيرة للملكوت، في ظلمة الكبرياء الروحي، في ظلمة اليأس الذي يختزنه في أعماقه ويعتقد أنه علامة على عمق إيمانه. السير في الظلمة وإدعاء الشركة مع النور… هذا هو الكذب بعينه. هو العيش في وَهْم. الكلمات كانت قاسية، واضحة، مثل ضوء النهار الذي لا يرحم. لا يمكن التوفيق. إما النور وإما الظلمة. لكن… لكن الجملة التالية حملت رجاءً هائلاً، رجاءً لا يُصدق: “دم ابنه يطهرنا من كل خطية”. النور لا يكشف فقط، بل يطهر. الطهارة ليست شرطًا للدخول إلى النور، بل هي نتيجة للسير فيه. والوسيلة هي دم الابن. ذكرى الصليب. ذكرى الحب الذي دفع الثمن.

أخذ نفسًا عميقًا. كان قلبه ينبض بسرعة. ثم جاءت الدعوة العملية، البسيطة، المتكررة، التي تبدو وكأنها إيقاع هذه الشركة الجديدة: “إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا خَطِيَّةً لَسْنَا نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ عَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ.”

الاعتراف. ليست طقسًا باردًا. بل هي حركة نحو النور. هي استجابة للحقيقة. أن تقول: “نعم، هذه الظلمة هي فيّ”. والوعد؟ أنه أمين وعادل. أمين لوعده بالغفران، عادل بسبب الدم الذي سُفك. فالغفران ليس مجرد تجاوز، بل هو إعلان عدالة. الله لا يتغاضى. الله يُطهر.

قرأ الكلمات الأخيرة: “إِنْ قُلْنَا إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِبًا، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا.”

كانت خاتمة حازمة. إنكار الخطية هو ليس مجرد خطأ شخصي، هو اتهام لله نفسه بالكذب. هو قطع للكلمة عن القلب. هو رفض للنور من أساسه.

سكت مرقس. لم تكن الغرفة مظلمة كما بدت له في البداية. كان ضوء القمر قد تسلل من النافذة، ورسّم مربعًا فضيًا على الأرض الترابية. شعر بتعب لذيذ. كان تعب من مواجهة، ومن رحلة داخلية. الكلمات لم تكن مجرد حبر على ورق. كانت جسرًا. جسر من ذاكرة الرسل المباشرة، إلى شركته هو، مرقس، في أفسس. جسر من النور الذي هو الله، إلى ظلمات قلبه البشرية. وجسر من الاعتراف بالظلمة، إلى الطهارة بالنور.

قام وأشعل مصباحًا صغيرًا. تمايلت اللهبة ثم استقرت، تملأ الزاوية بدفء متحرك. فكر في الجماعة غدًا. فكر في الأسماء، في الوجوه، في القصص التي يحملونها. سيتحدث معهم عن هذه الكلمات. لا كمعلم، بل كشريك في الرحلة. كإنسان عرف ظلمة، وسمع دعوة للسير في نور، واختبر، ولو قليلاً، أن النور لا يخيف عندما تأتي إليه بحقيقة نفسك. لأن في ذلك النور، وفي شركته الغريبة القديرة، هناك غفران. هناك تطهير. هناك حياة.

ونظر إلى الصحيفة مرة أخيرة، مبتسمًا في صمت. كان الخبر قد انتقل من الأذن إلى اليد، ومن اليد إلى القلب. ومن قلبه، سيخرج غدًا إلى آخرين، على أمل أن تصير لهم شركة معهم. ومع الآب، ومع ابنه يسوع المسيح.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *