كان الشيخ إيليا يجلس تحت شجرة التين القديمة على تلة مطلة على حقول القرية، يمرر أصابعه المُجعدة في التربة كما لو كان يقرأ صفحات كتاب مقدس. كانت عيناه الزرقاوتان الباهتتان تحدقان في الأفق حيث تحول لون الحقول من الذهبي إلى البني المحروق بفعل شمس الصيف. اقترب منه حفيده الصغير، شاول، حاملاً جرة ماء متمايلة بين يديه الصغيرتين.
“لماذا نترك الأرض بلا زرع هذا العام يا جدي؟” سأل الصبي، جالساً على الأرض الجافة إلى جانبه.
أدار الشيخ إيليا وجهه نحوه، وابتسم ابتسامة تظهر فيها شقوق عميقة كأخاديد الأرض التي يحبها. لم يجب على الفور. بدلاً من ذلك، أمسك بحفنة من التراب وتركه يتساقط ببطء بين أصابعه. “اسمع…” همس.
صمت الاثنان. لم يكن هناك صوت الفأس، ولا صوت المحراث، ولا حتى صوت خطى المزارعين. كان هناك فقط حفيف خفيف لأوراق التين، وصرير جدادة بعيدة، وهدير الصمت نفسه.
“في السنة السابعة، تستريح الأرض.” بدأ الشيخ يتكلم بصوته الخشن الذي يشبه حفيف أوراق الزيتون الجافة. “ليس لأنها متعبة، يا بُني. بل لأنها تذكرنا. تذكرنا بأن هذه التربة ليست مِلكاً لأيدينا نعبث بها كما نشاء. إنها إرث، ودَين. نحن غرباء ونزلاء عليها، كما قال موسى عليه السلام من فم الرب.”
أخذ نفساً عميقاً مليئاً برائحة التراب والزعتر البري. “كان جدي، وهو بعمرك الآن، يعيش في زمن أبعد. وفي أحد الأعوام، جاءت سنة السبت، لكن والده – وكان رجلاً صلباً – خاف من الجوع. فزرع رقعة صغيرة من الشعير سراً، في وادٍ بين التلال، حيث لا يراه أحد. ظن أنه يخدع الناس ويخدع الله.”
توقف الشيخ، ورفع عينيه نحو السماء الزرقاء العميقة. “نمت السنابل خضراء جميلة. وفي ليلة، قبل الحصاد بأيام، سمع صوت هدير غريب. خرج إلى حقله السري فوجده قد أصبح وكراً للقنافذ البرية والجرذان، كلها تأكل وتدمر. لم تمسس باقي الحقول التي تركها تستريح. فقط حقه هو. فهم والده الرسالة. فقام وأحرق ما تبقى بنفسه.”
شاول فتح عينيه واسعتين. “وهل جاعوا؟”
“لا.” ضحك الشيخ ضحكة خفيفة. “في العام السابق، بارك الله الأرض فأنتجت ضعف محصولها. كانت المخازن ممتلئة. لكن الخوف هو الذي أعمى قلب جدي الأكبر. الخوف من أن الله لن يوفي بوعده.”
مرت أيام، ثم أسابيع، على الأرض وهي في سبتها. ورأى شاول كيف تنمو الأعشاب البرية في الحقول بلا خوف، وكيف تأتي الطيور بألوان مختلفة لتتغذى على بذور الشوفان المتبقية. وكان الفقراء يدخلون الحصيد الثانوي دون لوم، وجوههم المرهقة تشرق بأمل نادر. تحدث الشيخ إيليا عن سنة اليوبيل، التي تأتي بعد سبعة سبوات.
“في السنة الخمسين، في يوم الغفران، يُنادى ببوق الكبش في كل الأرض.” صوته ارتفع قليلاً، متخيلاً المشهد. “صوت البوق ذلك لا يشبه أي صوت آخر. إنه صوت التحرير المطلق. كل إنسان يعود إلى ميراثه، إلى عشيرته. كل عبد أو أمة يُطلق سراحه. كل دين يُسقط. الأرض تسترد أنفاسها مرة أخرى، وتعود إلى من أعطيت له أول مرة.”
نظر إلى منزلهم الحجري البسيط، ثم إلى الحقول الممتدة حتى سفوح الجبال. “هذا البيت، هذه الأرض، كانت ملكاً لعائلة بني صرون. قبل يوبيلين، وقع جدك في دين كبير لسيد غاشم من طبريا. وبيع الحقل لسداد الدَّين. عشنا سنوات كغرباء نعمل في أرض كانت لنا. ثم جاءت سنة اليوبيل. وسمعنا البوق. ورجع السند إلى يدينا. لا بيع، لا شراء، لا مزايدة. فقط عودة.”
“هل كان السيد الغاشم غاضباً؟” سأل شاول.
“كان إنساناً. ربما كان قلبه ثقيلاً. لكن الناموس لا يحمي مشاعره، بل يحمي كرامة الإنسان وعدالة الأرض. الناموس يقول: ‘لا تستغل أخاك، بل اخشَ إلهك.’ اليوبيل يذكّر الجميع – الغني والفقير، السيد والعبد – أن الخالق هو المالك الوحيد. والباقي كلنا مستأجرون.”
في المساء، بينما كانت الشمس تغيب خلف الجبال ملونة السماء باللون الأرجواني والقرمزي، رأى شاول شيئاً جديداً. رأى الأرض لا كمجرد مصدر للطعام، بل كشريك في عهد. ككائن حي له حق في الراحة، في العبادة. وتذكر كلمات جده: “إذا سألك أحد غداً: لماذا لا تحرث؟ فقل: لأن الأرض تحفظ عيداً للرب.”
وتخيل صوت البوق القادم من بعيد، مدوياً عبر الوديان، محطماً قيود الخوف والجشع، معلناً أن كل دين قد أسقط، وكل عبد قد تحرر، وكل ميراث قد استرد. ليس بقوة السيف، بل بقدسية الناموس. وبينما كانت النجوم تبدأ في الظهور، شعر الصبي بأن التراب تحت قدميه لم يعد تراباً فحسب. بل كان أرضاً مقدسة تستريح، وتنتظر بفارغ الصبر قرع البوق التالي.




