كان النهار يُسدل ستائره على مخيم إسرائيل، وكانت حرارة الشمس المتراجعة تُخلف وراءها دفئاً كعسلٍ ثقيل على رمال البرية. عند مدخل خيمته، جلس أليآب بن صَلُوع، ورأسه بين كفيه، يصغي إلى صوت الريح التي تعزف على أوتار أطناب الخيمة. كانت أفكاره ثقيلة كحجارة الطاحون. فمنذ خروجهم من سيناء، والمخيم يتقدّم كجسمٍ واحدٍ عظيم، لكن تفاصيل الحياة، كالغبار الناعم، كانت تتسلل إلى كل شيء.
من داخل الخيمة، حيث كانت رائحة خبز الشعير تُصارع رائحة تراب الأرض، سمع صوت ابنته شامة. كانت تتحدث إلى أمها، وصوتها خفيض حزين:
“أمي، أقسمت للرب. أقسمت أنني، إلى أن يمر القمر سبع دورات كاملة، لا أتذوق طعاماً حلواً، ولا أشرب من لبن الماعز إلا القليل، تقدمة من أجل شفاء غلام خالتي.”
سكتت الأم برهة، ثم همست بكلمات كان أليآب يسمع رنين القلق فيها: “يا بنيتي، نذرك عظيم. ولكن ألم تسمعي ما نادى به موسى من قول الرب؟ إن نذر الفتاة في بيت أبيها… لأبيها أن يبطله.”
صمتت شامة، وكان صمتها أبلغ من كل كلام. فهي لم تستشر أباها. وكان أليآب، في الخارج، يشعر بثقل النذر كحجر رحى على صدره. لم يكن غضباً مما فعلت، بل خوفاً عليها. فالبرية لا ترحم الضعيف، والنذر الصادر من قلب طاهر قد يصبح حملاً فوق طاقة الجسد النحيل.
دخل أليآب إلى الخيمة. كان ضوء المصباح الزيتي يرقص على وجوه النساء. نظر إلى شامة، فرأى عينيها الواسعتين تلمعان بالإيمان والروع معاً. جثا على ركبتيه أمامها، ووضع يده الكبيرة على يديها الصغيرتين.
“سمعتُ كلامكِ يا شامة. ونذركِ صعد كالبخور الطيب أمام الرب. لكن اسمعيني. لقد أعطانا الرب شريعة، لا لتقييد قلوبنا، بل لحمايتها. فحين تقطع الفتاة نذراً وهي في بيت أبيها، وكان أبوها ساكتاً يوم سماعه، فإن النذر يثبت. ولكن إن أبطلها أبوها في يوم سماعه، فإن الرب يغفر لها، لأن أباها قد أبطلها.”
ارتجفت شامة: “أيُبطل نذري؟ أليس هذا استهانة بما وعدت به الرب؟”
ابتسم أليآب ابتسامة حزينة: “هل تظنين أن ربنا يريد عبادة تقتل العابد؟ إنه أب قبل أن يكون ديّاناً. لقد جعل الأب حصناً لابنته. فربما يكون النذر ثقيلاً، وربما يكون القلب طاهرا لكن الحكمة ناقصة. اسمعي. أنا، أبوكِ، أبطل نذركِ هذا. ليس لأنه غير مقبول، بل لأنني أرى جسدكِ الضعيف، وأرى شتاء البرية القادم. عليكِ القوة لخدمة خالتكِ بطريقة أخرى. أليس في ذبح الحمل وتقديمه صدقة، أو في نسج ثوب للفقير، عبادة تُسرُّ الرب؟”
سقطت دموع شامة صامتة. لم تكن دموع خيبة أمل، بل دموع ارتياح عميق، كمن كان يحمل جرّة ماء ثقيلة فأُزيحت عن كتفيه. أدركت أن شريعة الرب لم تكن قيوداً من حديد، بل سياجاً من رحمه. سياج يحميها من تهور إيمانها، ويحمي نذرها من أن يصبح عبئاً يمنعها من خدمة الرب حقاً.
في اليوم التالي، وقف أليآب أمام الكاهن في باب خيمة الاجتماع، وأخبره بما كان. كان الكاهن رجلاً هادئاً، عيناه تعكسان حكمة السنين. قال: “لقد أحسنتَ صنعاً يا أليآب. فالشريعة قالت: ‘وإنْ أبطلَهُ أبوهَا يَوْمَ سَمِعَهُ، كُلُّ نَذْرِهَا وَكُلُّ إِلْزَامٍ نَذْرٍ عَلَى نَفْسِهَا لَا يَثْبُتُ’. لقد سمعتَ وأبطلتَ في اليوم ذاته. فليكن لها غفران. والرب الذي يرى القلوب، يعلم إيمانها ويقبلكَ أنت كأبٍ حكيم.”
عاد أليآب إلى خيمته، وفي المساء، بينما كانت النار تتأرجح وتُلقي بظلال الخيام على الرمل كعمالقة راقصة، جمع عائلته. أخذ رغيفاً من الخبز الحلو الذي صنعته الأم خصيصاً، وكسر قطعة وناوله لشامة. أخذتْها بيد مرتجفة، ووضعتها في فمها. كان طعم العسل والشعير كندى الرحمة على لسانها. ثم قدّم لها كوباً من لبن الماعز، فشربتْ حتى ارتوت.
ونظرتْ إلى أبيها، وقالتْ بصوتٍ أخفتْه نسمة الليل: “شكراً يا أبي. علمتني اليوم أن طاعة الأب، حين تكون وفق مشيئة الرب، هي باب للحرية الحقيقية. سأخدم خالتي بقوة أكبر، وسأذبح حملاً من غنمي فداءً عن نذري المطلق.”
وهكذا، في قلب البرية القاحلة، بين خيامٍ من شعر الماعز، أينعت زهرة رقيقة من فهم الشريعة. لم تكن حروفاً على ألواح حجرية فقط، بل كانت نغمة حيّة في سيمفونية العلاقات التي رسمها الرب: علاقة الابنة بأبيها، وعائلة بإلهها. نذر أُبطل، لكن إيماناً تأصل. وشريعةٌ ظنها البعض قاسية، صارت في ظل الخيمة، دليلاً على أن رب إسرائيل إله نظام، ورحمة، وحماية. وهو الذي يعرف أن القلب قد يسبق الجسد أحياناً، فأعطانا، في حكمته التي لا تُدرك، أبواباً للعودة، ومساحاتٍ للنسمة، حتى في قدسية النذر.




