وكانت الكلمات قد انتشرت في أرجاء أرض إسرائيل، كالنسيم الحامل لرائحة التغيير. فالشعب الذي ذاق مرارة الهزيمة، وحلّت به غاشية الحزن بعد أن أُخذ تابوت العهد، ها هو الآن يسمع بأن التابوت قد عاد، ولكن ليس إلى شيلوه، بل إلى قرية يعاريم، حيث أقاموه في بيت رجل اسمه أبيناداب على التلة، وقدسوا ألعازار ابنه لحراسته. ومرت السنوات، عشرون سنة كاملة، والشعب يتنهد تحت ثقل البعد. كان الغرباء، الفلسطينيون، يمسكون بخناق البلاد، والخوف يسكن القلوب كساكن غير مرحب به.
وفي ظل هذا الضياع، برز صموئيل، الرجل الذي نما وكبرت كلمته في أرض إسرائيل. لم يكن صوته صراخًا في وادٍ، بل كان نداءً متواصلًا، حزينًا وحازمًا. كان يجول في المناطق، من أفرايم إلى بنيامين، ويعود إلى الرامة حيث بيته. وكانت كلمته واحدة، تُطرق الآذان حتى تملّها النفوس أولًا، ثم تبدأ تستوعب عمق جرحها: “إن كنتم تريدون الرجوع إلى الرب بكل قلوبكم، فانزعوا الآلهة الغريبة من وسطكم، والأصنام، وأعدوا قلوبكم للرب، واعبدوه وحده، فينقذكم من يد الفلسطينيين”.
كانت الكلمات بسيطة، صعبة كقلع جذور شجرة قديمة. فالآلهة، تلك التماثيل الصغيرة للبعل وعشتروت، كانت منتشرة في البيوت، مخبأة أحيانًا، معلنة أحيانًا، كعلامة على رغبة في ضمانات إضافية، على تعلق بأوهام القوة. ولكن صموئيل لم يهدأ. وكانت هناك جماعة، قليلون أولًا، ثم تكاثروا، ممن بدأت كلمات النبي تشعل في صدورهم شوقًا غريبًا، شوقًا للحرية الحقيقية، للعهد القديم. بدأوا يخرجون تلك الأصنام من مخابئها، ويجمعونها في زوايا بيوتهم، نظراتهم تتردد بين الخوف من المجهول والرجاء في وعد النبي.
ثم جاء اليوم الذي قرر فيه صموئيل أن يدعو الجميع، كل شعب إسرائيل، إلى لقاء عام في المصفاة. والمصفاة، تلك التلة المطلة على الطرق، كانت مكانًا للحكم وللاجتماعات المصيرية. انتشر الخبر كالنار في الهشيم. جاءوا من كل مكان، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وجوهًا شاحبة تحمل آثار سنوات الذل، وأخرى متوقدة بتوق لا تعرف مصدره. تجمعوا على المنحدرات، صامتين في غالبيتهم، والجو ثقيل بثقل انتظار لم يعتادوه.
وقف صموئيل أمامهم، ليس في ملابس فاخرة، بل بثوب بسيط، ولكن هيبته كانت تسكن عينيه الهادئتين العميقتين. نظر إلى البحر من الوجوه، ورأى فيها البؤس والرجاء. لم يبدأ بخطبة عظيمة. طلب شيئًا بسيطًا، عميقًا: “اجمعوا ماءً وسكيبوه أمام الرب”. ففعلوا. حفر البعض حفرة في الأرض الطينية، وجاء الآخرون بأوعية من الجلد والطين، وملؤوها ماءً من الينبوع القريب، ثم سكبوه على الأرض أمام الجميع. كان الماء يصبّ ببطء، يتشرب في التراب، يختفي. ثم أمرهم صموئيل: “صوموا في هذا اليوم”. فصاموا. كان الصوم اعترافًا بالضعف، بالتوقف عن الاعتماد على القوة الذاتية.
وبعد ذلك، بدأ هو نفسه يكسر حاجز الصمت. صرخ صموئيل إلى الرب من أجلهم. كانت صلاته ليست بكلمات معقدة، بل كانت انسكابًا للقلب، اعترافًا بخطايا الشعب، خطيته هو نفسه كقائد، وخطايا الأجداد. وبينما هو يصلي، بدأ الناس، واحدًا تلو الآخر، يخرون على وجوههم على الأرض الرطبة. لم يكن الأمر مُسَيَّرًا، بل كانت حركة تلقائية، خرجت من أعماقهم. بعضهم كان يبكي بصمت، وآخرون ينتحبون باعتراف، وأصوات تهمس: “أخطأنا، أخطأنا إلى الرب”. كان مشهدًا فوضويًا، بشريًا، مليئًا بالصراخ الخافت والدموع والتراب الملتصق بالوجوه والأيديّ.
وفي خضم هذا المشهد، مع اقتراب وقت الذبيحة المسائية، وصلت الأنباء المقلقة. الحراس الذين كان صموئيل قد أقامهم على التلال المحيطة أرسلوا رجلًا يعدو، وجهه شاحبًا من التعب والخوف. وصل وهو يلهث، وسقط على ركبتيه أمام صموئيل: “السادة… الفلسطينيون! سمعوا بتجمعنا هنا في المصفاة. ها هم قد صعدوا لمحاربتنا! جيوشهم تتحرك من معسكراتهم باتجاهنا!”
وقع الخبر كالصاعقة على الجمع. فجأة، تحول جو التوبة والخشوع إلى فزع محموم. توقفت الأنات، وجفلت القلوب. نظر الناس بعضهم إلى بعض، وفي عيونهم عاد شبح الهزيمة القديمة، وصراخ المعارك الخاسرة. بدأ الهمس يرتفع: “ماذا سنفعل؟ نحن هنا بلا أسلحة، بلا تنظيم! لقد جئنا للصلاة فقط!” وبدأ بعض الرجال يلتفتون يمنة ويسرة، كما لو يبحثون عن مخرج للفرار.
ولكن صموئيل لم يتحرك من مكانه. كان وجهه قد اكتسب سكونًا غريبًا، كالبحر العميق قبل العاصفة. نظر إلى الشعب المرتعب، ثم نظر إلى الغلام الذي كان يساعده في إعداد الذبيحة، حملٌ صغير من الغنم. كان صوت صموئيل هادئًا، وحازمًا، اخترق الضجيج الخافت: “لا تخافوا. واصلوا الصلاة. أما أنا فسأواصل الذبيحة للرب. اصنعوا كما بدأتم”. ثم التفت إلى الغلام: “هيا بنا”.
وبينما كانت أرتال الفلسطينيين تتقدم، وأصوات قرونهم الحربية تصل من بعيد كزئير وحش ضارٍ، أخذ صموئيل الحمل ووضعه على المذبح الحجري البسيط الذي أعدوه. كانت يداه لا ترتجفان. رفع السكين، وذكر الرب، وذبح الذبيحة. وصعد الدخان من المحرقة، رائحة اللحم والدهن المحترق، مختلطة برائحة الأرض الرطبة ودموع التوبة. ورفع صموئيل صوته مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت صرخة استغاثة، طلقة من القلب نحو السماء: “يا رب، لا تدع عدوًّا يسخر من شعبك، شعب اسمك عليه! خلصنا اليوم، وليعلم الجميع أنك أنت الإله الواحد!”
وفي تلك اللحظة بالذات، بينما كان الدخان يتصاعد عموديًا في الهواء الساكن، حدثت تغيرات في الأجواء. كانت السماء صافية، ثم بدأت سحب داكنة، ثقيلة، تتجمع بسرعة غير معتادة. وسمع الناس من بعيد، من جهت أفيق حيث كان معسكر الفلسطينيين الرئيسي، أصوات ارتباك، ثم ضجيج عالٍ. وبعد قليل، انهمر المطر على المصفاة، مطرًا غزيرًا مطفئًا لنار الذبيحة، لكنه كان بالنسبة للقلوب مطر نعمة وتطهير.
وجاء الرسل يعدون، هذه المرة ووجوههم متهللة: “لقد ضرب الرب الفلسطينيين! ارتبكوا هم أنفسهم! سمعنا أصوات رعود هائلة فوق معسكرهم، وكأن السماء تحاربهم! ها هم يفرون مذعورين إلى الوراء، يتعثرون في ظلام العاصفة!”
عندها نهض صموئيل وأمر الشعب: “الرب قد عمل. الآن اتبعوهم، ولكن ليكن هدفكم استعادة ما سلبوه، وليس القسوة المجردة”. فانطلق رجال إسرائيل، وهم لم يعودوا ذلك الجمع المرتعب، بل أشخاصًا مشتعلين بإيمان جديد وبقوة غير منظورة. طاردوهم من المصفاة إلى ما تحت بيت كار، واستعادوا المدن التي كان الفلسطينيون قد استولوا عليها، من أقطور إلى عكرون، وحرروا الأرض حتى حدود جت.
وبعد أن هدأ الغبار، وعاد الناس إلى ديارهم وهم يحملون خبر الخلاص، جمع صموئيل حجرًا كبيرًا من حقل قريب من المصفاة. ونصبه بين المصفاة والسن. وكان الحجر ضخمًا، غير منتظم الشكل، يحمل في تجاعيده وسطحه الخشن ذكرى اليوم. وسماه صموئيل “حجر العونة”، أو “أبن عَزَر”. وقال للشعب: “إلى هنا أعاننا الرب”. لم يكن الحجر ليعبد، بل ليكون شاهدا، علامة للأبناء والأحفاد. عندما يسأل الطفل أباه: “ما هذا الحجر الكبير؟” تكون الإجابة قصة، قصة يوم أنزعفت القلوب قبل أن تنتصر السيوف، قصة يوم استجاب السماء لصرخة الأرض.
ومن ذلك اليوم، استقرت أرض إسرائيل. تراجع نفوذ الفلسطينيون، ولم يعودوا يتجاسرون على دخول تخوم إسرائيل، بل كانت يد الرب عليهم كل أيام صموئيل. وكان صموئيل يدور في دورة سنوية بين بيت إيل والجلجال والمصفاة، يقضي لأسرائيل في جميع هذه المواضع. لكنه كان يعود دائمًا إلى الرامة، إلى بيته، حيث كان يقضي أيضًا، ويبني هناك مذبحًا للرب. كان المذبح في الرامة بسيطًا، لكنه كان مركزًا لقلب أمة تتعلم، ببطء، أن الرب يسمع، وأن التوبة طريق العون.




