كان اليوم هادئاً في أروقة البلاط، وقد امتدت أشعة الشمس الأولى كأصابع ذهبية تلامس أحجار الهيكل المصفوفة بإتقان. كنت أجلس في غرفتي، صحائف جلدية ممتدة أمامي، وقلمي بيدي، وقد حملني الملك نفسه على تدوين كل ما يتعلق ببيت الرب. ليس مجرد قياسات وأعداد، بل الروح التي تسكن بين هذه الحجارة، والعبق الذي يملأ الفضاء من بخور الصباح والمساء. وها أنا الآن أستعيد صورة البحر النحاسي، ذلك العمل الفذ الذي لا يزال صداه يرن في عيني حتى وأنا أكتب.
لم يكن مجرد حوض للغسل. كان بحراً مصغراً، كأنما أخذ سليمان الحكيم قطعة من البحر الأبيض المتوسط ورشفها في قالب من نحاس أصفر لامع. دائرة كاملة، قطرها عشر أذرع، تعلو خمس أذرع، وكان حافتها مثل حافة كأس عملاق منحوتة بتيجان وزخارف رمانيات لا تحصى. لكن العجيب كان تحتها: اثنا عشر ثوراً من النحاس، ثلاثة تتوجه إلى كل ركن من أركان الأرض. لم تكن التماثيل جامدة، بل كنت ترى فيها القوة المخزونة، ظهورها من تحت البحر كأنها تحمله على سواعد غير مرئية. وجوهها إلى الخارج، كأنها تحرس قدسية المكان، وتذكر أن كل قوة في الأرض تخدم طهارة بيت الإله.
وكنت أتذكر يوم رفعه. العشرات من الصناع من صور، برؤوس مربعة وملامح مركزة، وهم يربطون الحبال السميكة حول جسد ذلك البحر العملاق. كان النحاس يلمع تحت الشمس كأنه نار سائلة متجمدة، وصوت صفائحه وهو يرتفع كان دويّاً مكتوماً يهتز له الصدر. ثم استقر على ظهور الثيران، فبدا كأن الأرض تتنفس تحته، كأن الخليقة نفسها تتوق إلى الطهارة.
وبعيداً عنه، وقرب الجهة الجنوبية، كانت المَحَارِلُ العشر تقف في صف مهيب. كل واحدة منها كصومعة صغيرة، ارتفاعها أربعة أذرع، وفي جوفها أحواض تستوعب ماءً كثيراً. كانت عجلاتها من نحاس، وقواعدها مزخرفة بكباش وأسود وكرُوبيم، لا لتزيين فقط، بل لتذكير كل من يخدم أن الأسود تجثو هنا، والكرُوبيم تحمي، وأن الطهارة ليست رخصة بل نظام سماوي نزل إلى الأرض. كان الماء فيها يغسل ما يقدم محرقة، والبحر نفسه كان لكهنوت هارون، يغسلون فيه أيديهم وأرجلهم قبل الدخول إلى القدس، وقبل الاقتراب من المذبح.
وكانت هناك الأوعية والمناسف والجامات. لم تكن أدوات عادية، بل كانت كأنها تتكلم بغير لسان. المناسف الكبيرة التي تحمل خبز الوجوه، ليست مجرد صحون، بل عروض شكر دائمة. المجامر الذهبية الخالصة، حيث يصعد الدخان رفيقاً للصلوات. ومفاتيح الأبواب الذهبية، التي لا تفتح مكاناً، بل تفتح زماناً مقدساً بين الخليق والخالق.
وأتذكر وجه حيرام، الصانع الرئيسي، يوم انتهى من صَبّ كل هذه الآنية. وقف وهو يمسح جبينه المتعرق، ونظر إلى البحر والمحارِل والمراجل، ثم قال بصوته الخشن الذي يحمل لكنة فينيقية: “هذا ليس نحاساً ولا ذهباً. هذا صلاة مجسدة”. وكان محقاً. كل ذراع، كل زخرفة، كل ثور، كان يحمل في ثناياه توقاً. توق الإنسان أن يتطهر، أن يقترب، أن يجد الطريق إلى حيث يسكن المجد.
وكتبت في صحيفتي: “وعمل البحر من نحاس، عشر أذرع حافته من شفة إلى شفة، مدورة حواليها، وارتفاعها خمس أذرع، وخيط ثلاثون ذراعاً يحيط بها حواليها”. لكن الكلمات تبدو فقيرة أمام ما رأته عيناي. فكيف تصف لمعان النحاس تحت لهب الشموع في الليل؟ كيف تصف صوت الماء وهو ينساب من البحر إلى الحوض، كهمس مستمر لا ينقطع؟ كيف تترجم رائحة المعدن الممزوجة برائحة الزيت والبخور والخشب المقَدَّس؟
والآن، وأنا أنهي هذا السجل، أرفع عيني عن الصحيفة. الهيكل قائم، والشعب يأتي ويذهب، والكهنة يخدمون. لكني أعلم أن هذا كله ظل للخير العتيد. البحر النحاسي، والمحارِل، والمراجل الذهبية، كلها تروي عطشاً لن ترويه إلا ينبوع ماء حي، ينبع إلى حياة أبدية. وها أنا، كاتب الأخبار، أدون الظل، وأتوق مع كل حرف إلى الحقيقة التي ترمي بظلها على هذه الأرض. فكل هذه الصنعة، وهذا الجمال، وهذا النظام، ما هو إلا نغم واحد في سمفونية قدسية، سيكتب نهايتها، أو بالأحرى بدايتها الحقيقية، كائن آخر، من نسل داود، ولكنه سيد داود نفسه.
سأضع القلم. ولكن قبل ذلك، سأكتب هذه الكلمات الأخيرة: “كل هذا العمل العظيم، أتممه سليمان لبيت الرب، من نحاس ملمع، بلا وزن، لأن الكثرة لم تكن تحصى”. نعم، لم تكن تحصى. كما أن نعمته، ورحمته، ووعده، لا تحصى، ولا ينتهي بريقه، ولا ينضب بحره.




