الكتاب المقدس

فرح الملك في غسق صهيون

كان الملك جالساً في حجرة قصره العالية التي تطل على أسوار صهيون. نسمة آخر النهار تحمل عبق الزعتر البري الذي ينمو بين الصخور، وتموجات من صوت جرس خافت يرن من جهة الهيكل. أمامه، على منضدة من خشب الأرز، تقراطيس جلدية مفتوحة، لكن عينيه كانتا على الأفق حيث يتهادى نور المساء الذهبي فوق تلال يهوذا.

في قلبه كان صدى فرح غريب، عميق، كالنبع الذي ينفجر من أعماق الصخرة الصماء. تذكر الأيام المظلمة، أيام الهروب والاختباء في كهوف عدلام، ورائحة الرطوبة والخوف العالقة في ثياب منهكة. تذكر صلاة الصباح الباردة، حين كان قلبه يرتجف كعصفور في العاصفة. والآن… الآن كان الصمت من حوله ثقيلاً ببركة لا يستطيع وصفها.

“بالرب يبتهج الملك”، همس بشفتين جافتين. لم تكن كلمات تكبراً، بل اعترافاً. كل قوته، كل هذا المجد الحجري المحيط به، كل هذا السلام الذي غشى المدينة… كان هبة. كان كالرداء الفاخر الذي يلقيه محسن على عاتق فقير. شعر بالتواضع يغمره كالمطر الدافئ، وكان الفرح يعلو فوق هذا التواضع كالسنبلة الذهبية التي تنحني من ثقل خيرها.

أغمض عينيه ليرى، ليس بعيني الجسد، بل ببصيرة القلب. رأى التاج الذي وضعه صموئيل على رأسه بيد مرتعشة. كان ثقيلاً، بارداً. ولكنه الآن، بعد سنين، لم يعد يشعر بثقل الذهب، بل بحلاوة القبول. “لم تحجب عنهُ سؤل شفتيه”. تدفقت ذكرى صلواته اليائسة أمام الكهوف، طلباته المتعثرة التي كان ينطلق بها كمن يرمي حجارة في ظلام دامس، لا ينتظر رجعاً للصوت. والرب كان قد استجاب. أعطاه أكثر مما تجرأ أن يطلب. أعطاه طول الأيام، إلى الدهر والأبد. كلمات المزمور الذي كان يتكون في أعماقه كانت كالعسل، حلوة لكنها تختلط بمرارة الوعي بثقل النعمة.

نهض ومشى ببطء إلى الشرفة. في الساحة التحتية، كان حراسه واقفين بأمانة، دروعهم تلمع في الغسق. كانت هيئتهم تبعث على الطمأنينة. ولكن قلبه كان مع أولئك الرجال في البراري، مع يوآب ورجاله الأشداء الذين يحرسون الحدود. “بالخلاص العميم تكلله”. الخلاص لم يكن مجرد نجاته الشخصية من يد شاول، بل كان هذا الأمان الذي امتد كظل كبير ليطال كل القبائل، كل أسرة تنام هذه الليلة وهي تعلم أن أسوارها محروسة. النعمة، في نظره، لم تكن حلية شخصية، بل أساس للمملكة كلها.

لكن ظلاً خفيفاً عبر قلبه. ذكر الأعداء. لم يكن قد نسي وجوههم، روائح معسكراتهم، صراخ المعارك. “يدرك أعداءه”. الكلمة “يدرك” علقت في ذهنه. ليست كلمة انتقام فحسب، بل كلمة دينونة، كلمة تحقيق. الرب نفسه هو الذي يتولى الأمر. هو لا يحتاج إلى غضب ملكٍ ضعيف. فالنار التي ستلتهمهم كأنها تنطلق من قدس الأقداس ذاته، من غيرة الرب على شعبه. ورأى في مخيلته، ليس مشهداً دموياً، بل صورة للشر الذي ينكمش على نفسه، يذبل كشجرة تين لعنتها الشمس، ويندثر كالهباء الذي تذروه الرياح القادمة من البحر الميت.

عندها فقط، مع هذا المشهد الأخير، اكتملت الدائرة في نفسه. الفرح الشخصي، البركة العامة، والعدل الإلهي. كلها حلقات في سلسلة واحدة. إن فرحه بالرب هو ما يمنحه الثقة بأن العدل للرب، وأن بركة الرب هي التي تحفظ العدل من أن يصير بطشاً.

عاد إلى مقعده، وأخذ قلماً بيد مرتعدة قليلاً. لم يكتب بعد. بل تنهد تنهيدة طويلة، ممتزجة بالرهبة والامتنان. نظر إلى الأفق مرة أخرى، حيث بدأت النجوم الأولى تظهر كدبابيس فضية تغرز في حجاب الليل. المدينة تحت قدميه كانت تضاء مصباحاً مصباحاً. كل مصباح كان عائلة، قلباً يخفق، حياة محروسة بوعود الرب التي تتردد أصداؤها الآن في أعماقه.

بدأت الكلمات تتدفق من أعماقه، لا كشعر متكلف، بل كسجل لقلب ممتلئ. “يا رب، بقوتك يبتهج الملك…” الكلمات كانت ترسم نفسها بنفسها، حارة وعفوية، كالنبتة التي تشق طريقها بين حجارة الشرفة نحو الشمس. وكان يعلم، في قرارة نفسه، أن هذه الكلمات لن تبقى حبيسة جدران قصره. سترتل على أوتار، وتصعد مع بخور الهيكل، وتصبح زاداً لقلوب أخرى ستجتاز ظلامها الخاص، وتتذكر أن فرح الرب هو حصنهم.

وكتب حتى حل الظلام تماماً، ولم يبقَ إلا ضوء المصباح الوهاج ينير القراطيس، ووجه الملك الغائر العينين، المشرق باليقين. وفي الخارج، كانت مدينة داود تنام تحت حراسة النجوم، ووعود الرب التي، لهذه الليلة على الأقل، شعر بها كل إنسان في المدينة كدفء حقيقي، كسَتر ملموس، كفرح الملك الذي، بنعمة إلهه، صار فرح الجميع.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *