الكتاب المقدس

تأملات أيوب في الظهيرة

فِي وَقْتٍ كَانَ الظِّلُّ فِيهِ طَوِيلًا، وَالْحَرُّ يَرْقُدُ عَلَى الصَّخْرِ كَحَيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، جَلَسَ أَيُّوبُ مُتَأَمِّلًا. لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إِلَى الْفَضَاءِ الْوَاسِعِ فَوْقَهُ، وَلَا إِلَى الْأَرْضِ الْجَرْدَاءِ حَوْلَهُ، بَلْ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى دَاخِلِ نَفْسِهِ، كَمَا يُنَظِّفُ الرَّجُلُ خِبَاءَهُ حَبَّةً حَبَّةً مِنَ الرِّمَالِ. الْهَوَاءُ كَانَ ثَقِيلًا بِصَمْتٍ يُشْبِهُ الْاِنْتِظَارَ.

تَذَكَّرَ أَيَّامَهُ. تَذَكَّرَ كَيْفَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ وَالْكَرَامَةُ تَلْفُّهُ كَرِدَائِهِ. لَكِنَّ الْكَرَامَةَ لَيْسَتْ بِمِيزَانٍ عِنْدَ الْحَقِّ. فَأَيْنَعَ فِي قَلْبِهِ سُؤَالٌ مُرُّ، لَيْسَ سُؤَالَ احْتِجَاجٍ، بَلْ سُؤَالَ فَحْصٍ وَاسْتِقْصَاءٍ: “هَلْ زَلَّتْ قَدَمَايَ وَأَنَا لَا أَدْرِي؟ هَلْ سَبَقَنِي ظِلِّي إِلَى مَكَانٍ مُظْلِمٍ فَاتَّبَعْتُهُ؟”

رَفَعَ وَجْهَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ الْبَيْضَاءِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْغُيُومِ، وَكَأَنَّمَا يُخَاطِبُ شَاهِدًا عَتِيدًا، بَدَأَ يَسْكُبُ مَا فِي ضَمِيرِهِ، لَفْظَةً لَفْظَةً، كَمَنْ يُنَزِّلُ صُخْرَةً مِنْ عَلٍ لِيَعْرِفَ عُمْقَ الْجُبِّ.

“أَلَعَلِّي نَظَرْتُ إِلَى عَذْرَاءَ فَانْزَوَى قَلْبِي خَلْفَ جَفْنِي؟” سَأَلَ. وَفِي لَحْظَتِهِ، تَذَكَّرَ نِسَاءَ الْقَرْيَةِ، وُجُوهَهُنَّ تَظْهَرُ وَتَخْتَفِي وَرَاءَ أَغْطِيَةٍ مِنْ نَسِيجٍ خَشِنٍ. كَانَ يَغُضُّ بَصَرَهُ طِبْعًا، كَمَا تَغُضُّ الطَّيْرَةُ جَنَاحَيْهَا عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ. لَمْ يَكُنِ الْغَضُّ فَرْضًا يُثَقِّلُ الْجَفْنَيْنِ، بَلْ كَرَامَةً يُصُونُهَا لِنَفْسِهِ وَلِلْآخَرِينَ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ النَّظْرَةَ بَذْرَةٌ، وَالْقَلْبَ حَقْلٌ خَصِبٌ لِشَرِّ الْأَعْمَالِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ خَاطِرُهُ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي تَحْتَ قَدَمَيْهِ. “هَلْ خَانَتْ يَدَايَ فِي الْحَصَادِ؟ هَلْ تَرَكْتُ لِلْفَقِيرِ سُؤَالَهُ يَتَدَلَّى فِي الْهَوَاءِ كَثَوْبٍ مَخْلُوعٍ عَلَى حَبْلٍ؟” صَوْتُهُ كَانَ خَفِيضًا، يُخَالِطُهُ صَخَبُ الذِّكْرَى. رَأَى نَفْسَهُ فِي مَوَاسِمِ الْحَصَادِ، لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ كُلَّ مَا تَخْطِفُهُ الْمَنْجَلُ. كَانَ يَتْرُكُ زَوَايَا الْحَقْلِ، وَبَعْضَ السَّنَابِلِ الْمُتَسَاقِطَةِ، طَعَامًا لِلْغُرَابِ وَالْأَرْمَلَةِ وَالْغَرِيبِ الَّذِي لَا جَذْرَ لَهُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ. كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا لِيُثْنِيَ عَلَيْهِ النَّاسُ، بَلْ لِأَنَّهُ رَأَى، فِي عَيْنَيْ كُلِّ مُحْتَاجٍ، نَظْرَةً مِنْ نَظَرَاتِ الْحَقِّ نَفْسِهِ.

تَصَاعَدَ الْحَرُّ، وَتَصَاعَدَ مَعَهُ اعْتِرَافُ أَيُّوبَ، لَيْسَ اعْتِرَافًا بِذُنُوبٍ ارْتَكَبَهَا، بَلْ بِتَبِعاتٍ لَوْ أَنَّهُ أَخْطَأَ لَحَلَّتْ بِهِ. “لَوْ كُنْتُ قَدْ دَسَسْتُ بِأَخِي حِينَ أَتَى إِلَيَّ طَالِبًا الْعَوْنَ، لَكَانَ حَقًّا عَلَى كَتِفِي أَنْ تَحْمِلَ صَخْرَةَ الطَّاحُونَةِ، وَلَأَخَذَتْنِي الْبَحْرُ إِلَى عُمْقِهَا.” كَلِمَاتُهُ لَمْ تَكُنْ خَوْفًا مِنْ عِقَابٍ، بَلْ فَهْمًا لِسَنَنِ الْكَوْنِ الَّتِي نُقِشَتْ فِي الضَّمِيرِ قَبْلَ أَنْ تُنْقَشَ فِي اللَّوْحِ. الْعُنْفُ يُنْتِجُ عُنْفًا، وَالْخِيَانَةُ تَحْفُرُ قَبْرَ الْخَائِنِ. هَذَا مَا رَآهُ فِي نَظَرَةِ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ لِلتَّائِهِ، وَفِي يَدِ الطِّفْلِ الْمُمْتَدَّةِ بِعَرَضِ الطَّرِيقِ.

أَطْرَقَ قَلِيلًا، وَسَادَ سُكُونٌ لَوْنُهُ لَوْنُ الْغُبَارِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، وَكَأَنَّمَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى أَفْكَارٍ خَفِيَّةٍ. “هَلْ رَفَضْتُ دَمْعَةَ الْيَتِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ نَفْعٌ؟ أَمَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ صَرِيرَ سَاقَيْهِ الْحَالِكَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَ أَنَا؟” كَانَ يَتَحَدَّثُ عَنِ السُّلْطَةِ، سُلْطَةِ الْغِنَى وَالْقُوَّةِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَغِلَّهَا قَطُّ. كَانَ يَرَى فِي الْيَتِيمِ ابْنًا، وَفِي الْعَبْدِ الْمُهَانِ أَخًا خَلَقَهُ نَفْسُ الرَّبِّ الَّذِي نَفَخَ فِي صُدُورِ الْمُلُوكِ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ رِقَّةً عَابِرَةً، بَلْ قَنْعَةً رَاسِخَةً فِي قَلْبِهِ: أَنَّ الْبَشَرَ جَمِيعًا عِبَاءَةٌ وَاحِدَةٌ نَسَجَهَا الرَّبُّ، وَتَقْطِيعُهَا جُرْمٌ.

وَفَجْأَةً، كَمَا يَنْتَشِرُ عَبَقُ الْأَعْشَابِ الْجَبَلِيَّةِ بَعْدَ أَوَّلِ مَطَرٍ، امْتَلَأَ الْجَوُّ بِشُعَورٍ غَرِيبٍ: الْوَحْدَةُ. رَأَى أَيُّوبُ نَفْسَهُ كَجَبَلٍ مُنْفَرِدٍ. “هَلْ عَبَدْتُ الشَّمْسَ وَهِيَ تَخْرُجُ مُذْهَبَةً، أَوِ الْقَمَرَ وَهُوَ يُبْحِرُ صَافِيًا فِي سَمَاءِ اللَّيْلِ؟” هَزَّ رَأْسَهُ. لَمْ تَكُنِ الْعِبَادَةُ عِنْدَهُ لُقَيْمَةً تُقْسَمُ بَيْنَ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ وَبَيْنَ أَصْنَامِ الْبَشَرِ. كَانَ قَلْبُهُ بَيْتًا ذَا بَابٍ وَاحِدٍ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا ضَيْفٌ وَاحِدٌ. حَتَّى فِي سَاعَاتِ الْفَخْرِ الْخَفِيَّةِ، حِينَ كَانَتْ ثَرْوَتُهُ تُغْرِي بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ قُوًى أُخْرَى، كَانَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ: مَنْ أَعْطَاهُ الْقُوَّةَ لِكَسْبِ الْثَّرْوَةِ أَصْلًا؟

أَخِيرًا، وَقَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الْقُرْصُ الْأَصْفَرُ وَرَاءَ الْأُفُقِ، خَتَمَ أَيُّوبُ كَلَامَهُ، لَا بِصِيحَةِ تَبَرُّءٍ، وَلَا بِصُرَاخِ تَظَلُّمٍ. خَتَمَهُ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ، ثُمَّ بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ كَالنَّدَى. “هَذِهِ هِيَ كَلِمَاتِي. لَمْ أَخْفِهَا فِي جَيْبٍ مُظْلِمٍ. لَوْ كُنْتُ قَدْ سَرَقْتُ أَرْضَ الْجَارِ، أَوْ أَكَلْتُ خُبْزِي وَحْدِي دُونَ أَنْ أَكْسِرَ لِلْجَائِعِ مِنْهُ قِطْعَةً… لَوْ فَعَلْتُ… لَكَانَ الْحَصَادُ عَلَى رَأْسِي شَوْكًا، وَآخِرُ نَبَاتِ حَقْلِي ذُرَّتَ رَمَادٍ.”

لَمْ يَطْلُبْ شَهَادَةً مِنْ أَحَدٍ. لَمْ يَطْلُبْ حُكْمًا. كَانَ يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ قَضِيَّتَهُ بَيْنَ يَدَيْ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ. إِنَّمَا كَانَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ، عُرْيَانَةَ الضَّمِيرِ، أَمَامَ الْقَاضِي الْأَوْحَدِ الَّذِي يَرَى الْغُصْنَ الْمُنْحَنِيَ فِي الْقَلْبِ، وَيَسْمَعُ حَفِيفَ الْفِكْرَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِهَا الشِّفَاهُ.

وَبَدَأَ اللَّيْلُ يَنْزِلُ، بِرِدَائِهِ الْأَزْرَقِ الْغَامِقِ، وَأَيُّوبُ سَاكِتٌ. لَمْ يَأْتِهِ جَوَابٌ، وَلَمْ تَنْزِلْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ. لَكِنَّهُ فِي أَعْمَاقِ نَفْسِهِ، كَانَ قَدْ نَظَّفَ بَيْتَهُ. وَكَانَ هَذَا الْتَنْظِيفُ، فِي ذَاتِ نَفْسِ الْأَمْرِ، صَوْتًا أَعْلَى مِنْ كُلِّ صَرْخَةٍ، وَشَهَادَةً أَصْدَقَ مِنْ كُلِّ قَسَمٍ. لَمْ يَكُنْ هُوَ الْقَاضِي، وَلَمْ يَكُنِ الْخَصْمُ. كَانَ مُجَرَّدَ عَبْدٍ وَاقِفٍ عَلَى عَتَبَةِ الْحَقِّ، يُقِيمُ مَا فِي وَسْعِهِ مِنْ حُجَّةٍ، ثُمَّ يَسْكُتُ، مُسَلِّمًا وَجْهَهُ لِلرِّيحِ الْقَادِمَةِ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *