الكتاب المقدس

نور في ظلام الشك

كان الظلام يُرخي سدوله على أطراف القرية، ذلك الظلام الذي لم يكن مجرد غياب للنور، بل كان ثقيلاً كوشاح من الرصاص. كان “أفيحا” جالساً على حجرٍ مُنسٍّ عند مدخل كوخه الصغير، تنهداته تختلط مع صوت ريح الصحراء العابثة التي كانت تحمل عبير التراب واليأس. نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، ولكنها بدت له كثقوب في ستار أسود، لا تضيء شيئاً في دخيلة نفسه.

في داخله، كانت فكرة واحدة تدور كالساقية المهترئة: “ليس هناك إله. كل هذا عبث.” لم يقلها بصوت عالٍ، بل كانت تتردد في أعماق روحه المكلومة. رأى حوله الفساد: تاجر القماش الذي يغش الموازين، وشيوخ القرية الذين يحكمون برشاوى خفية، وأطفالاً يتضاغون من الجوع بينما تزدان موائد الأقوياء. صار يتساءل: أين العدل؟ أين الرحمة؟ لو كان هناك إله عادل، فكيف يسمح بهذا؟ كان قلبه مثل أرض قاحلة لا ماء فيها، مجرد صحراء من الشك.

كان عمله يجوب التلال مع أغنامه، وفي تلك الخلوة مع الطبيعة، كانت الأفكار تسيطر عليه أكثر. كان يرى جمال الخلق: زهرة السوسن البريّة تزهر بين الصخور، ونسرًا يحلق في علّيّات السماوات. ولكن سرعان ما تعود الصورة القاتمة: ذئبًا يفترس حملًا ضعيفًا، أو جيفة بعير منتفخة تحت الشمس الحارقة. كان ينظر إلى البشر من حوله فيقول في سره: “جميعهم زاغوا وفسدوا معًا. لا أحد يعمل صلاحًا، لا أحد.”

وفي إحدى الليالي، بينما كان يحرس القطيع تحت قمرٍ بارد، سمع صوت مشاجرة عنيفة قادمًا من منحدر الوادي. اقترب بخفة، فرأى ثلاثة من قطاع الطرق يهجمون على تاجر عابر وحيد. لم يتحرك. وقف متجمدًا، مراقنًا المشهد بكل قسوته. قال في نفسه: “لماذا أتدخل؟ هذا هو قانون الحياة: القوي يأكل الضعيف. لا حامٍ ولا مُنقذ.” مشى بعيدًا، وقلبه يحمل ثقل خزيه، لكنه دفن ذلك الخزي تحت طبقات من الاقتناع الزائف بأن العالم بلا معنى، وبالتالي لا مسؤولية ولا ذنب.

لكن شيئًا ما كان ينخر فيه. لم يكن السلام الذي يتوقعه من التخلي عن الإيمان. بل كان فراغًا أشد مرارة. كان الخواء يُصفر في أذنيه خلال سكون الليل. بدأ يلاحظ أن كل من حوله ممن يفكرون مثله، الذين يرون الحياة مجرد صراع من أجل البقاء، يعيشون في خوف دائم. خوف من بعضهم البعض، خوف من الغد، خوف من الفراغ. رأى الرعب في عيون تاجر القماش الغشاش عندما مرض ابنه، ورأى الذل في وجه شيخ القرية الجشع حين هددته سلطة أعلى منه. كانوا مثل أوراق الخريف الجافة، تتهاوى مع أول هبة ريح. قال في حضرته: “هل هناك جاهل أكثر مني؟ الذي يظن أن القوة هي الملاذ، ثم يجد أن قلبه يرتعد كعصفور في العاصفة.”

ذات يوم، بينما كان يسير على طريق بعيد يحمل صوف أغنامه إلى السوق، سمع من بعيد صوت ترنيمة. كان صوتًا قديمًا، رخيمًا، يأتي من كهف صغير في الجبل، حيث كان يعيش ناسك طاعن في السن، يُقال له “حنا”. لم يكن أفيحا مؤمناً، لكن شيءً جذبه. ربما كان الملل، ربما كان اليأس الصامت. اقترب من فم الكهف ورأى الرجل العجوز، وجهه منيرًا بسلام غريب، يترنم بكلمات: “الله من السماء أشرف على بني آدم لينظر هل من فاهم، طالب الله.”

وقفت الكلمات في أذن أفيحا كالسهم. “طالب الله؟” من يطلب الله في هذا العالم المظلم؟ تذكر وجه والدته الراحلة، وكانت دائمًا تهمس بالصلاة قبل نومها. تذكر لحظات من اللطف البشري البسيط: جارًا قديمًا أعطاه كسرة خبز عندما كان طفلاً جائعًا، وغريبًا ساعده في إصلاح عربة انكسرت في الطريق. كانت هذه اللحظات نادرة، كالنجوم في ليلة غائمة، لكنها كانت حقيقية. هل كانت تلك بصيص من ذلك الله الذي ينكره؟

جلس مع العجوز طويلاً. لم يحدثه العجوز عن عقائد معقدة، بل حكى له قصة. حكى عن شعبٍ غارق في الظلم، وعن صراخٍ صعد إلى السماء، وعن خلاصٍ جاء عندما بدا كل شيء ضائعًا. قال: “الخلاص لا يأتي من قوة الأسلحة أو حكمة البشر، فهي تفشل. الخلاص يأتي كهدية، كنسمة من مكان آخر. حينئذ يفرح القلب وينتعش الروح.”

في طريق عودته إلى القرية، كان شعور غريب يملأ صدر أفيحا. لم تختفِ المشاكل، فلا يزال التاجر غشاشًا، ولا يزال الشيوخ فاسدين. لكن شيئًا في منظاره تغير. لم يعد ينظر إلى الفساد كدليل على غياب الله، بل كدليل على حاجة البشر إليه. كصحراء تئن من العطش، فلا تثبت جفاف الماء، بل تعلن عن ضرورته.

بدأت تتغير حياته بتؤدة. لم يتحول بين ليلة وضحاها إلى قديس، لكنه توقف عن الهروب. ذات مرة، رأى طفلاً يُضرب من قبل رجل كبير ظلمًا، فتقدم هذه المرة. كان قلبه يخفق بشدة، لكنه وقف. لم يكن الموقف عظيمًا، انتهى بكلمات حادة وتمرير الطرف. لكنه في تلك الليلة، وهو يصعد نظره إلى تلك السماء ذاتها، لم يعد يرى ثقوبًا في ظلام، بل رأى نجوماً تضيء. لم يكن الضوء قد غمر كل الظلمة بعد، لكنه عرف أن النور موجود.

وأدرك في قرارة نفسه، أن الخزي الحقيقي ليس في أن يراك الناس ضعيفًا، بل في أن تعيش وكأنك وحيد في الكون. وأدرك أن الجاهل الحقيقي هو الذي يظن أن قلبه مخبأ عن النظرة التي ترى كل شيء، والتي في النهاية، ستجعل الخلاص يشرق حتى على من ظنوا أنهم نسوا طريق الصعود.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *