الكتاب المقدس

ندى الفجر بعد السبي

كان الغبار يحوم فوق الطرقات، لا يهدأ، كذكرى للأيام المعلقة بين غضب ورحمة. ذاك المساء، وبينما كانت الشمس تنزلق خلف تلال يهوذا البعيدة، ملونة السماء بلون النحاس القديم، جلس إليآس على عتبة بيته المتواضع في أورشليم. كان الهواء حاملاً عبق التراب المبلل بعد ساعات قليلة من مطر خفيف، نادر في ذلك الوقت من السنة. تنفس بعمق، ورائحة الأرض الرطبة اختلطت برائحة الخبز الذي تخبزه زوجته من الداخل. لكن قلبه كان ثقيلاً، كحجر طاحونة.

لم تكن المدينة كما عرفها في حكايات أبيه عن مجد سليمان. فالجدران ما زالت تحمل ندوباً عميقة، شاهدة على السبي والخراب. والناس، رغم عودتهم، كانوا يسيرون وكأنهم يحملون ظلاً طويلاً للغربة في عيونهم. كانوا قد عادوا، نعم، ولكن هل عاد الرب معهم؟ هذا هو السؤال الذي كان يدور في صدر إليآس كالدوامة.

تذكر كلمات أبيه، وهو على فراش الموت، يهمس بمقطع من نشيد قديم: “رحمتَ يا رب أرضك. ردَدتَ سبْي يعقوب”. كانت الكلمات تخرج من فم العجوز وكأنها حلاة أخيرة. والآن، بعد سنوات، كانت تلك الكلمات نفسها تشكل صلاة صامتة على شفتي إليآس. لقد غفر الرب ذنب شعبه، ستر كل خطيتهم، أليس كذلك؟ فالأنبياء تحدثوا عن العودة، وقد عادوا. ولكن السلام الحقيقي، سلام القلب والروح، كان شيئاً آخر. كان يشبه النسمة البعيدة التي تصل إليك رائحتها ولكنك لا تستطيع الإمساك بها.

رفع عينيه نحو السماء التي أظلمت رويداً رويداً، وبدأت النجوم الأولى تظهر كدموم فضية على عباءة زرقاء قاتمة. سمع صوت زوجته تدعوه للعشاء، لكنه أشار لها بإشارة صامتة أنه سيأتي بعد قليل. كان يحتاج إلى هذه اللحظة من الصمت. في الساحة المقابلة، رأى شيخاً يسند ظهره إلى جذع زيتونة عجوز، ويقرأ من درج. كان صوت الشيخ خافتاً ولكنه واضح، يقطع سكون المساء: “أَلا تَرْجِعُ إِلَيْنَا، أَتُغِضُبُ عَلَيْنَا إِلَى الدَّهْرِ؟”.

ألا، هذه كانت الصرخة. ليست صرخة استحقاق، بل صرخة ابن يعرف أن أباه قد غفر له من قبل، ولكنه الآن يبحث عن علامة حياة، علامة حضور. لم يكن الخوف من العقاب، بل الخوف من الصمت، من الغياب، من أن تبقى العلاقة معلقة في فضاء الغفران المجرد دون أن تتحول إلى ود وحميمية يومية. أَتُغضب علينا إلى الدهر؟ هل سيبقى هذا الجفاء الروحي سيد الموقف؟

قام إليآس ومشى ببطء نحو الساحة. الأرض تحت قدميه كانت لا تزال رخوة قليلاً. اقترب من الشيخ، فرفع الأخير عينيه إليه وعرف السؤال في عينيه دون أن ينطق به. قال الشيخ: “يبدو أن المطر اليوم كان بركة. الأرض عطشى”. فأجاب إليآس: “الأرض عطشى، ونفوسنا أيضاً”. فتنهد الشيخ وقال: “المزمور يقول: ‘أَرِنَا يَا رَبُّ رَحْمَتَكَ، وَخَلاَصَكَ أَعْطِنَا’. الخلاص ليس حدثاً ماضياً فقط، بل هو ندى يومي. هو أن نرى رحمتك اليوم، في هذه الساحة، تحت هذه الشجرة”.

عاد إليآس إلى بيته، وكانت هذه الكلمات ترن في أذنيه. في تلك الليلة، بينما كان نائماً، حلقت به الأحلام. حلم بأنه يسير في وادٍ عميق، والجوانب صخرية وعالية. كان الظلام دامساً، وفجأة، بدأ يسمع صوت مياه متدفقة، لكنه لم ير النبع. ثم، مع بزوغ أول خيط فجر في الحلم، رأى الحق يخرج من الأرض كساقية صافية، والسلام ينظر من السماء كشمس رقيقة. كان الحق، العدل الإلهي، ليس سيفاً قاطعاً بل نبعاً من المياه الحية يروي الوادي. وكان السلام، سلام العهد، ليس غياب حرب، بل حضور ثقة عميقة، ينظر من علُ، فيلتقي بالنبع الأرضي. في ذلك اللقاء بين ما ينزل من السماء وما يخرج من الأرض، رأى الخير كعشب أخضر ينبت في أرض كانت مقفرة.

استيقظ على صوت المؤذن للصلاة الأولى، وقلبه يخفق بنبض غريب من الرجاء. خرج إلى شرفة بيته الصغير. كانت المدينة لا تزال نائمة، ولكن في الأفق، بدأت حافة الشمس تلوح بلون قرنفلي فاتح. وفجأة، سمع صوتاً، صوت غناء خافت آتٍ من اتجاه الهيكل. كان صوت رجل عجوز، ربما أحد اللاويين، يغني بصوت متقطع يحمل كل خشونة السنين ولكنه حامل لنغمة فرح غريبة: “الرَّبُّ أَيْضاً يُعْطِي الخَيْرَ، وَأَرْضُنَا تُعْطِي غَلَّتَهَا”.

في تلك اللحظة، فهم إليآس. لم يكن الأمر متعلقاً بانتظار معجزة كبرى تحل من السماء فجأة. بل كان متعلقاً بالمسار. طريق الحق والسلام اللذين رآهما في الحلم. طريق العدل الذي يسير فيه الإنسان نحو الله ونحو أخيه، فيلتقي برحمة الله الآتية نحوه. هذا المسار نفسه هو ما يجعل الأرض، أرضهم الجافة والمنهكة، تعطي غلتها. الخير ليس هبة منفصلة، بل هو ثمرة المسيرة المشتركة، حيث ينزل البر من السماء، وترتفع الأمانة من الأرض.

عاد إلى غرفته، وأشعل قنديلاً صغيراً. على الطاولة، كان هناك درج قديم لمزامير داود. فتحه، وعيناه تبحثان عن الكلمات التي كانت ترافقه طوال الليل. وجدها: “الحق من الأرض يخرج، والبر من السماء ينظر. الرب أيضاً يعطي الخير، وأرضنا تعطي غلتها”. نظر من النافذة. كان الفجر قد انبثق الآن كاملاً، وضوء الشمس الذهبي الأول يلامس حجارة الساحة، ويجعل ندى الصباح يلمع على أوراق الزيتونة كالجواهر.

شعر أن قلبه، الذي كان ثقيلاً كالحجر، أصبح خفيفاً. لم تزل التحديات قائمة، والجدران ما زالت محطمة في أجزاء منها، والخوف ما زال يخيم على بعض النفوس. لكنه رأى المسار. رأى أن رحمة الرب ليست لحظة في الماضي فحسب، بل هي نهر جاري، وأن استجابة الله ليست صمتاً، بل هي حوار صامت مع قلب ينتظر. الحقيقة تخرج من الأرض، من قرارة الإنسان التائب، والبر، بر الله الأمين، ينظر من علُ ليبارك المسيرة.

سمع صوت أول بائع في الساحة ينادي على بضاعته. صوت الحياة اليومية. ابتسم. اليوم سيبدأ العمل في إصلاح الجزء المتداعي من سور حارته. عمل صغير، لكنه جزء من الحق يخرج من الأرض. جزء من الاستجابة. جزء من الغلة التي وعد بها الرب لأرض تشرق عليها شمس بره، وتنزل عليها أمطار رحمته، دون ضجيج، ولكن بثبات، كطلوع الفجر بعد ليلة طويلة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *