في ذلك الصباح الباكر، حيث كان ندى الفجر لا يزال يتعلق على أوراق الزيتون عند سفح جبل الزيتون، جلس إيليا على حجر بارد يتأمل دربه الطويل. لم يكن نبيًا، ولا كاهنًا، بل رجلٌ من عامة الناس، حطّامٌ من المنفى البابلي عاد إلى أرض أجداده حاملاً في قلبه أسئلة أكثر مما حمل في متاعه القليل.
كانت الذكرى ثقيلة. ذكرى هيكل مُدمّر، وذكرى ترانيم كانت تُرتل في موطنٍ لم يعد له. ولكن في تلك اللحظة، بينما كانت الشمس تبدأ في اختراق الضباب الوردي، تذكّر كلماتٍ كانت تهمس بها جدته في أذنه وهو طفل، في بابل، حينما كانت عيناه تثقلان بالنوم: “سبحوا الرب يا جميع الأمم، احمدوه يا جميع الشعوب”.
لم تفارقه هذه الكلمات أبدًا، لكنها كانت مثل عملة أجنبية لم يجد لها مكانًا في وطنه الجديد، الذي كان يعج بالصراعات وبإعادة البناء وبهموم البقاء. فلماذا يجب على “جميع الأمم” أن تسبح؟ وأي رحمة هذه التي تتحدث عنها الجدة، في عالمٍ مليءٍ بالسبي والدمار؟
قرر أن يبدأ نهاره بالصعود إلى ما تبقى من السور. الهواء كان نقيًا، حاملاً عبق الأرض المبلولة بعد مطر الليل. وفي طريقه، مرّ بالسوق الذي بدأ يستيقظ بصوت بائع الفخار وهو يرتب أوانيه، وبصرخة بائع الخضار الذي كان ينادي على بضاعته. سمع أحاديثًا بالعبرية، وبالآرامية، وحتى بكلمات من لهجات يونانية وغريبة. كانت أورشليم، برغم جراحها، تبدأ تستعيد شيئًا من تنوعها القديم.
عند السور، وجد زاوية هادئة تُطل على الامتداد الشاسع. هناك، رأى قوافل تأتي من الشرق، تحمل توابلًا وأقمشةً. ورأى حجاجًا من الجنوب، ملابسهم مختلفة، وهم يتحدثون بلغة لا يعرفها. وشاهد بحارة من الساحل، وجنودًا من الإمبراطوريات البعيدة، وتجارًا من مصر. كل هؤلاء “الشعوب” و”الأمم” كانت هنا، تتدافع بأحلامها ومصالحها وخوفها.
وفجأة، كما لو أن حجابًا رُفع عن عينيه، فهم.
لم تكن الدعوة في ترنيمة الجدة أمرًا. لم تكن طلبًا. كانت إعلانًا. إعلانًا عن حقيقة ثابتة كالجبل الذي يقف عليه. “لأن رحمته قد قويت علينا”. تطلّع حوله. هذه المدينة، التي دُمرت وأُعيد بناؤها، كانت شاهدًا على تلك الرحمة. هو نفسه، الذي عاد من بين أشلاء الذكريات إلى هنا، كان دليلًا حيًا عليها. الرحمة لم تكن شعورًا عاطفيًا، بل كانت قوة. قوة إلهية عنيدة ترفض أن تترك الخليقة تغرق في العدم، ترفض أن تترك البشرية تضيع في كراهيتها، ترفض حتى أن تترك حجرًا من حجارة الهيكل يضيع من ذاكرة العالم.
هذه القوة، هذه الرحمة المتجذسة في الحق، هي التي تدفع الأمم جميعًا، حتى من لا تعرف اسمه، أن تتحرك في اتجاهه. في بحث التجار عن السلامة في رحلاتهم، في توق الحجاج إلى القداسة، في محاولة البشر جميعًا لفهم معنى وجودهم، كان هناك تسبيح خفي، حمدٌ غير مُعلن. هو رأى الآن كيف أن كل ابتسامة تبادلها البائع مع المشتري الغريب، كل مساعدة يقدمها غريب لآخر ضل الطريق، كل لحظة عدل صغيرة، كانت نغمة في سيمفونية الحمد العظيمة تلك.
لم يعد إيليا يشعر بالغربة. جلسته على الحجر البارد، وسط هذا العالم المتنوع، جعلته يشعر بأنه في بيتٍ كبير. بيت أبيه الحقيقي. ربما لن تعترف كل تلك الوجوه التي رآها بالإله الذي يعبده، لكن حياتها، بحثها، أفراحها الصغيرة، وآلامها الكبيرة، كانت تشارك في رقصة كونية واحدة، تدور حول محور الرحمة والحق.
نهض، وكأن ثقلاً قد زال عن كاهليه. نزل من السور متجهًا إلى السوق. مر ببائع الفخار، فابتسم له وقال له كلمة طيبة عن جودة صنعته. مرّ بالتاجر المصري، فسأله عن أخبار النيل. في كل نظرة، كان يرى الآن أكثر من مجرد وجه غريب؛ كان يرى أخًا في رحلة الحمد هذه.
وعندما عاد إلى كوخه المتواضع في المساء، وكتب بإصبع مرتعش على قطعة من الرقيم القديم كلمات المزمور، لم يكتبها كما حفظها. كتبها كما عاشها ذلك اليوم: “احمدوا الرب يا جميع الأمم، مجدوه يا كل الشعوب. لأن نعمته قد أحاطت بنا كالسور، وحقه يرافقنا إلى الأبد”. وأضاف في الهامش، بحروف صغيرة غير منتظمة، كما تفعل اليد البشرية المتعبة المليئة بالإيمان: “رأيت هذا اليوم. إنه حقيقي.”
وهكذا، من قلب إنسان بسيط، مليء بالشك والعودة، ولدت قصة حمد جديدة. قصة لم تكن عن إمبراطوريات أو معجزات مفاجئة، بل عن نور الفجر على أوراق الزيتون، وابتسامة في سوق مزدحم، وفهمٍ عميق أن رحمة الله وحقه أكبر من كل حدود، وأوسع من كل ترنيمة.




