في تلك الأيام، حين كان صخب المعارك لا يزال مدوياً في الآذان، وجاء نبأ سقوط المدينة كالريح الباردة في قلب الصيف، دخل نبوخذنصر ملك بابل أورشليم. لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان تغييراً لمجرى الأقدار. كان الرب، كما تقول اللفائف، قد أسلم يهوذا وأورشليم ليديه، ليس لضعفه، بل لغواية شعبه وإهمالهم عهده.
وفي قصر الملك في بابل، البعيد كل البعد عن تلال يهوذا المشرِبة بالزيتون، كانت هناك همسة أخرى. لم تكن همسة المؤامرات، بل همسة التخطيط الدقيق. أمر آشفناز رئيس خصيانه أن يُحضَر من بني إسرائيل، من ذوي الأصل الملكي والطالِعين النبلاء، فتيانٌ لا عيب فيهم، حَسَنو المنظر، حاذقون في كل حكمة، وعارفون بالمعرفة، وفهماء في العلم. كان المطلوب تشكيلهم، تغذيتهم وتعليمهم لثلاث سنين، وبعدها يقفون أمام الملك.
وسط هؤلاء المختارين، وربما بقلوب أثقل من غيرها، كان أربعة شباب: دانيال، وحننيا، وميشائيل، وعزريا. كانت أسماؤهم العبرية تذكرهم بمن هم وبمن إلههم. حملوا معهم إلى تلك الأرض الغريبة ذكريات الهيكل وأصوات المزامير ورائحة أرض الآباء. لكن بابل كانت تريد صناعة شيء جديد. فأعطاهم آشفناز أسماء جديدة: بلطشاصر، وشرخ، وميشخ، وعبد نغو. كانت الأسماء الجديدة تدعو آلهة بابل، محاولة لطمس الهوية القديمة، لصهرهم في بوتقة الإمبراطورية الجديدة.
وهنا بدأ التحدي الأول، الصغير في ظاهره، العظيم في مغزاه. خصص الملك لهم طعاماً من مائدته، وخمراً من شرابه. كان هذا شرفاً عظيماً في عيون البابليين، نعمة من الملك. لكن دانيال، في قرارة قلبه، عرف أن هذا الطعام والشراب قد ذُبح أو سُكب للأصنام، أو أنه لا يطابق الشريعة التي تربى عليها. كانت تلك الشريعة، في منفاه، هي آخر معقل لهويته، آخر خيط يربطه بالوعد.
فجأة، في قرار نابع من إيمان عميق أكثر من كونه تحدياً صارخاً، وضع دانيال في قلبه أنه لن يتنجس بأطايب الملك ولا بخمر مشروبه. نعم، قرر ذلك في قلبه أولاً، ثم طلب إذن رئيس الخصيان. لكن آشفناز، رغم حبه لدانيال، خاف. قال: “أخاف سيدي الملك الذي عيّن طعامكم وشرابكم. لماذا يرى وجوهكم أكسل من الفتيان الذين من جيلكم؟ فتكونون أنتم سبباً لمعاقبتي رأسي عند الملك”.
كانت المخاطرة حقيقية. لكن دانيال، بحكمة فائقة عن صغر سنه، لم يُصرّ ولم يثِر. بل اتجه إلى ميليزار، الوصي الذي جعله آشفناز على دانيال ورفاقه الثلاثة. واقترح عليه اقتراحاً بسيطاً: “جرب عبيدك عشرة أيام. فليعطونا من البقول لنأكل، وماء لنشرب. ثم تُعرض أمامك وجوهنا ووجوه الفتيان الذين يأكلون من طعام الملك. فافعل بما ترى مع عبيدك”.
كانت المجازفة على ميليزار أيضاً، لكن ربما رأى في عيني دانيال ثقة لا تعرف التردد. وافق على المحاولة. وعشرة أيام… ليست طويلة في حساب المملكة، ولكنها كافية ليكشف الرب عن أمره. وفي نهايتها، بدت وجوههم أحسن سمنة وأكثر نضرة من جميع الفتيان الذين كانوا يأكلون من طعام الملك. فكان ميليزار ينزع طعامهم وخمر مشربهم ويعطيهم بقولاً.
وهكذا، في صمت وغالباً بعيون المراقبين عليهم، حافظ الفتيان الأربعة على عهدهم مع إله السماء. ولكن القصة لا تنتهي عند البقول والماء. فإن الله، الذي أخلصوا له، أعطاهم معرفة وحكمة وفهماً في كل كتابة وحكمة. وأما دانيال، فقد أعطاه فهماً في كل الرؤى والأحلام.
ولما تمت الأيام التي قال الملك بعدها أن يُحضَروا، أحضرهم آشفناز أمام نبوخذنصر. وكلمهم الملك، فلم يُوجد بينهم كلهم مثل دانيال وحننيا وميشائيل وعزريا. فوقفوا أمام الملك. وفي كل أمر حكمة فهم سألهم عنه، وجدهم عشرة أضعاف أفضل من كل المجوس والسحرة الذين في كل مملكته.
فكانت هذه البداية. بداية في قصر غريب، على مائدة ممنوعة، بإيمان صامد. لم تكن بطولة صاخبة، بل كانت ثباتاً في القلب. كانوا كأشجار غُرسَت على مجاري مياه، أوراقها لا تذبل. وفي أرض السبي، حيث بدا أن آلهة بابل انتصرت، كان إله إسرائيل الصامت يعمل في الخفاء، يهيئ رجالاً لفهم الأزمنة، وحلماء لتفسير أحلام ملوك، وشهوداً للحق في قصر الوثنية. دانيال ورفاقه لم يعرفوا ما سيأتي، لم يعرفوا عن أتون النار المتقدة أو جب الأسود. كل ما عرفوه في تلك اللحظة هو أنهم قرروا في قلوبهم ألا يتنجسوا. وكان ذلك كافياً ليغير مجرى تاريخ.




