الكتاب المقدس

الغفران والإيمان والشفاء

كان الطريق ترابيًا يحمل عبق الأرض بعد مطر خفيف. تسير أقدامهم، أقدام التلاميذ وهو بينهم، على دروب متعرجة بين قرى السامرة والجليل. كان الجو باردًا بعض الشيء، يلفح وجوههم نسمات تأتي من مرتفعات مجدّو. لم يكونوا يتحدثون كثيرًا؛ كان السير شاقًا، والفكرة التي أثارها قبل قليل ما تزال تدور في رؤوسهم مثل ذبابة عنيدة لا تريد أن تبارح مكانًا.

توقف فجأة، ووقفوا جميعًا. التفت إليهم، ونظرت عيناه العميقتان إلى أعماقهم. قال: “لا بد من أن تأتي العثرات، ولكن ويل للذي تأتي بواسطته”. كان صوته هادئًا لكنه قطع صمت المسير كالسكين. نظر بعضهم إلى بعض، ثم إلى الأرض. فهموا أنه لا يتحدث عن حجارة في الطريق، بل عن شيء في القلب. تابع كلامه عن الغفران، عن أخ يخطئ إليك سبع مرات في اليوم ويعود سبع مرات طالبًا الصفح. قال بطرس، محاولًا أن يبدو كريمًا: “يا معلم، أأغفر له حتى سبع مرات؟”. ابتسم يسوع ذلك الابتسامة التي كانت تفتح أبوابًا لم يكن أحد يرى مفاتيحها. “لا أقول لك حتى سبع مرات، بل حتى سبعين مرة سبعًا”. ساد صمتٌ آخر، ثقيل هذه المرة. كان الرقم لا يُحصى، كان يعني ببساطة: لا تتوقف عن الغفران أبدًا.

ثم أخذ يشرح، بكلمات بسيطة كحبات القمح، عن قوة الإيمان. قال: “لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر فتُطيعكم”. نظر بعض التلاميذ إلى شجرة جميز ضخمة على جانب الطريق، جذورها متشبثة بالأرض منذ عشرات السنين. كيف لها أن تنتقل؟ لكنهم لم يسألوا. كان هناك شيء في نبرة صوته، في يقينه الهادئ، جعل المستحيل يبدو وكأنه مجرد مسألة منظور.

وتحدث عن الخادم الذي يعود من الحقل بعد يوم طويل من الحرث أو الرعي. قال: “أتراه يقول له سيده: تقدم سريعًا واتكئ؟ ألا يقول له بالأحرى: أعدد ما أتعشى به، وتمنطق واخدمني حتى آكل وأشرب، وبعد ذلك تأكل أنت وتشرب؟”. كانت فكرة غريبة عليهم. كانوا يتوقعون دائمًا مكافأة، اعترافًا، مكانة. هو جعل الخدمة تكفي نفسها بنفسها. “حين تفعلون كل ما أُمرتم به، فقولوا: نحن عبيد بطالون، لأننا إنما فعلنا ما كان يجب علينا فعله”. علقت الكلمات في أذهانهم كالرحيق الثقيل. الخدمة لا تنتظر شكرًا. الإيمان لا ينتظر إعجابًا. هي ببساطة… تكون.

استمروا في السير، وبدأت الشمس تميل نحو الغرب، مصبغة الحقول بلون العسل القديم. ثم رأوها من بعيد: قرية صغيرة، بيوتها من الحجر، ودخان يرتفع من بعضها. ولكن بينهم وبين القرية، على حافة الطريق، وقف مجموعة من الرجال. لكنهم لم يقفوا كمن ينتظرون مسافرين. وقفوا بتباعد غريب، ورفعوا أصواتهم من مسافة، لا يقتربون. “يا يسوع، يا معلم، ارحمنا!”. كانت أصواتًا مبحوحة، مليئة بيأس طويل. عرف الجميع من نظرة واحدة: برص. ملابسهم ممزقة، شعورهم أشعث، وأجسادهم تحمل العلامات البشعة للداء الذي فصلهم عن كل من يحبون.

توقف الرب. نظر إليهم. لم تكن نظرة اشمئزاز أو خوف، بل نظرة حزن عميق، كما ينظر إلى بستان جاف كان يومًا مثمرًا. ثم قال لهم، بصوته الواضح الذي يصل عبر المسافة التي فرضها الناموس: “اذهبوا وأَروا أنفسكم للكهنة”. كانت كلمات بسيطة، غريبة. لم يقل: “اطلبوا”. لم يمد يده. فقط أعطاهم أمرًا. والغريب، دون أن يلمسهم أو يصلي علنًا، تحركوا. غادروا مواقعهم، ذاهبين كما أمر. كان في ذهابهم ذرة من الإيمان بأن شيئًا ما سيحدث أثناء الطريق.

سار التلاميذ وراء معلمهم باتجاه القرية، والتفت أحدهم ليرى الرجال يبتعدون. ثم، بعد فترة ليست بطويلة، سمعوا صوتًا. صوت رجل يجري بكل قوته، ترتطم قدماه بالتراب بقوة، أنفاسه تصل إليهم قبل وصوله. جاء راكضًا، تلمع عيناه بدموع لم يجففها الزمن بعد، وجهه ممتلىء صحة ونضارة، ملابسه لا تزال بالية لكن جلده كان نقيًا كجلد طفل. ألقى بنفسه على الأرض عند قدمي يسوع، وجهه في التراب، وهو يصرخ بصوت مجلجل بالفرح والشكر. كان سامريًا. غريب. منبوذ مضاعف.

نظر يسوع إلى الرجل المنبطح أمامه، ثم رفع عينيه إلى التلاميذ الذين وقفوا مندهشين. كان سؤاله موجعًا: “ألم يبرأ العشرة؟ فأين التسعة؟ ألم يوجد من يرجع ليمجد الله غير هذا الغريب الجنس؟”. كان الألم في صوته أعمق من ألم الجسد الذي شفاه. كان ألم القلب. ثم مد يده إلى السامري، وقال له كلمات رقيقة ومباشرة: “قم وامضِ، إيمانك خلصك”.

تابعوا طريقهم إلى القرية، والشمس تلامس قمم الجبال الآن. كان السامري قد اختفى في اتجاه مغاير، عائدًا إلى حياته الجديدة. لكن سؤال الرب بقي معلقًا في الهواء البارد الذي بدأ يهب: “أين التسعة؟”. كان السؤال عن نسيان النعمة. عن أخذ الشفاء كحق، وليس كهدية. عن الإيمان الذي يطلب المعجزة ثم ينساها بمجرد حصولها. في ذلك المساء، بينما كانوا يتناولون خبزًا بسيطًا في بيت متواضع في القرية، كان كل تلميذ يسأل نفسه في صمت: لو كنت أنا، هل كنت سأعود؟ هل كنت سأكون الواحد، أم من التسعة؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *