كان المطر يقرع على زجاج النافذة بصوت رتيب، كأنه إيقاع لحن حزين يواكب إيقاع قلب سامي. جلس في صالة بيته الصامتة، والظلام يزداد خارجاً، ويزداد في داخله. رائحة القهوة العربية الثقيلة تملأ المكان، لكنها لم تعد تعطيه ذلك الدفء المعتاد. كانت الأوراق مبعثرة على الطاولة أمامه، فواتير لم تسدد، ورسائل لم يجب عليها، وهمومٌ كانت أثقل من أن يحملها.
لم يكن يعرف بالضبط متى بدأ هذا الشعور بالثقل. كان كحجر رحى يطحن روحه ببطء. تذكر أيام الطفولة في قريته، حين كان يركض في الحقول خلف أخوته، والسماء صافية، وضحكة أمه تملأ الدنيا. والآن، ها هو، رجل في منتصف العمر، يشعر بأنه غريب في عالمه، غريب حتى عن نفسه. تساؤلات لا تجيبها الفواتير المدفوعة، ولا التقدير في العمل، ولا حتى ابتسامة أولاده أحياناً. كان هناك جوع أعمق، لعطش لا يرويه ماء.
أخذ يقلب صفحات كتاب مقدس قديم، مهدى من جده. كانت الحواف مُصفرة، والورق يهمس بقدمه تحت الأصابع. وقعت عيناه، كما لو بقيادة غير مرئية، على الإصحاح الثامن من رسالة رومية. قرأ بصوت خافت، وكأنه يحدث نفسه: “إِذاً لَيْسَ الآنَ دَيْنُونَةٌ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.”
توقف. كلمة “دَيْنُونَة” علقت في حلقه. هذا ما كان يشعر به طوال الوقت: دينونة. دينونة من المجتمع، من توقعاته، من ماضيه، من فشله في أن يكون “مثاليًا”. دينونة صامتة كانت تحكم عليه في كل لحظة. لكن النص يقول “ليس الآن”. لم يفهم. كيف؟ أين تذهب كل هذه الأخطاء؟ كل هذا الثقل؟
استمر في القراءة، وكانت الكلمات تنزل عليه كندى على أرض محترقة: “لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَكَ مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ.” نظر إلى يَدَيه. كانا تعبتان من حمل هذا “الناموس” الخاص به، ناموس القسوة على الذات، والمقارنة، والمحاولة المستحيلة للكمال. روح الحياة؟ بدا المصطلح غريباً وجميلاً في آن. هو الذي كان يشعر أن الحياة تتسرب منه كالماء من بين الأصابع.
خرج إلى الشرفة، وهبَّت نسمة باردة ممزوجة برائحة الأرض المبلولة. سمع صوت أذان المغيب ينساب من جامع الحي، حاملاً معه سلاماً قديماً. فكر: “روح الحياة”. أهي تلك القوة التي كانت تحرك الأنبياء والمصلحين؟ أهي نفسها التي ترفرف في قلب أمه وهي ترفع يديها بالدعاء؟ التي رأى أثرها في عيني صديق وقف معه في أزمته المالية دون أن ينتظر شيئاً؟ ربما كانت أقرب مما يتصور.
عاد إلى الداخل وأضاء شمعة صغيرة، لأن الكهرباء انقطعت فجأة كما اعتادت في المدينة. في ضوء الشمعة المتأرجح، استكمل القراءة. وصل إلى الكلمات التي شعر كأنها كُتبت له في هذه اللحظة بالذات: “وَلَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا.”
دمعة حارقة انحدرت على خده. كم مرة وقف ليصلي فوجد كلمات عقيمة تتحجر على شفتيه! كان يشعر أن صلواته لا تتعدى السقف. لكن هذه الكلمات أعطته راحة غريبة. هناك شفيع في داخله، في أعماق أعماقه، يعبر عما لا يستطيع هو التعبير عنه. أنات لا ينطق بها. آهات قلبه التي لم يجد لها اسماً، تلك الآهات نفسها هي صلاة مقدسة في السماء. لم يعد وحيداً في صراخه الصامت.
ثم جاءت الآيات عن الآلام. “فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ…” نظر حوله. آلام الزمان الحاضر: المرض الذي أضعف أمه، خيبة الأمل في بعض البشر، الخوف على مستقبل أولاده في بلد مضطرب، الوحدة التي يأكلها رغم الزحام. كل هذا حقيقي ومؤلم. لكن الكاتب يستطرد: “…لا تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا.”
ما هذا المجد؟ ليس ترفاً ولا ثروة. قرأ عن “التبني”. “لأَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ مَرَّةً أُخْرَى لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: ‘يَا أَبَا الآبُ’.”
تلك الكلمة البسيطة “أَبَا”. كلمة طفل يدنو من والده بثقة. كل علاقته بالله كانت مبنية على الخوف والمسافة، على الجدال والاستحقاق. هل يمكن أن تكون العلاقة به كهذه البساطة؟ كهذه القربى؟
أغلق عينيه. تخيل الأمر. ليس كحاكم بعيد يوقع عقوبات، بل كأب. أبوٌ يرى ابنه المتعب، الحزين، الخائف، فيفتح ذراعيه. فجأة، لم تعد الصالة فارغة. لم يعد الضوء الوحيد هو ضوء الشمعة. شعر بحضور. ليس حضوراً مرئياً، بل إدراكاً داخلياً عميقاً، كالذي يشعر به الغريق حين يلمس اليابسة. دموع أخرى انهمرت، لكن هذه المرة لم تكن من مرارة، بل من ارتخاء ثقل كان يحمله سنين دون أن يدري.
سالت ساعة الحائط القديمة. كان الوقت قد تقدم. لكن الوقت، للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يشعره بالضيق. قرأ خاتمة الإصحاح، وكأنها نشيد نصر كتب من أجله: “فَإِنِّي مُوقِنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ… وَلاَ عُمُقٌ وَلاَ خَلِيقَةٌ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.”
محبة. ليست عاطفة عابرة، بل قرار أبدي، قوة كونية. محبة تختار أن تبقى. لا شيء في عمقه، لا عيوبه ولا هزائمه، ولا حتى الأحداث المرعبة في العالم الخارجي، تستطيع أن تفصله عن هذه المحبة. هي حاضرة هنا، الآن، في صمته، في فقره الروحي، في خوفه. كالأرض التي تظل ثابتة تحت قدميه رغم العواصف.
لم تحل مشاكله. الفواتير لا تزال هناك، والمستقبل مجهول. لكن المركز تحوّل. لم يعد الثقل في داخله. كان هناك سلام، غريب، لا يفهمه العقل. سلام كالنهر العميق تحت سطح مضطرب.
نهض وأطفأ الشمعة. الفجر بدأ يلوح بخيط رفيع من النور بين السحاب. أخذ نفساً عميقاً. كان الطريق طويلاً، وكانت الأيام القادمة قد تحمل صعوبات. لكنه عرف، لأول مرة، أنه ليس وحيداً في السير. كان هناك روح يحيا فيه، وكان هناك أب يناديه ابنه، وكانت هناك محبة تمسكه ولا تتركه. هذا يكفي. بل إنه أكثر من كافٍ ليبدأ النهار.




