الكتاب المقدس

عهد قوس قزح بعد الطوفان

بعد أن هدأت المياه، واستقر الفلك أخيرًا على منحدرات جبل أراراط، خرج نوح ومن معه إلى عالم مغسول. كانت رائحة الأرض تفوح كرائحة الطفل المولود حديثًا، ترابية ورطبة ومليئة بوعود غامضة. لم تكن السماء التي نظر إليها نوح ذلك اليوم زرقاء صافية كما نتخيلها، بل كانت بلون الرماد الفاتح، كقطعة قماش كبيرة معلقة فوقهم، تتنفس بصعوبة بعد عناء الطوفان.

مكثوا أيامًا بلا حاجة للسير، فالأرض كانت لهم وحدهم. في صباح اليوم الثامن، بنى نوح مذبحًا من حجارة ملساء حملها من سفينة الخشب. كان يعمل بخشوع، وكأن أصابعه تتذكر طقوسًا قديمة علمها له أبواه عن أبينا آدم. جمع من كل بهيمة طاهرة وطير طاهر، وقدم محرقة. لم يكن الدخان المتصاعد سميكًا ودخانيًا فحسب، بل كان يحمل في خفته عبق امتنانٍ مرهف، صعد كخيط رفيع يربط الأرض المنكوبة بالسماء مرة أخرى.

وهنا، في تلك اللحظة بالذات، بينما كان الدخان يذوب في فضاء العلاء، حدث الأمر. لم يكن صوتًا هادرًا كصوت المياه الجارفة، ولا كصوت انشطار الخشب تحت الضغط. كان كهمسة الكون العميقة. أحس نوح بها في عظامه قبل أن يسمعها بأذنيه. نزلت كلمة الرب إلى قلبه، وهي تحمل طعم الرأفة والعهد.

قال الرب في نفسه: “لن ألعن الأرض أيضًا من أجل الإنسان، لأن اتجاه قلب الإنسان شرير منذ حداثته”. كانت الكلمات تتردد في كيان نوح كذبابة خافتة، ثم تكبر حتى تملأ أقطار روحه. وعدٌ ليس مبنيًا على كمال البشر، بل على فائق رحمة الخالق. “ولا أصيب كل حي كما فعلت”. واستمر الصوت الداخلي، يمنحهم السلطان على كل ما يدب، كالعهد الأول في الجنة، لكنه هذه المرة عهد يحمل رائحة الخلاص لا رائحة البراءة الأولى.

ثم جاءت الوصية، مفصلة وواضحة، عن كل دابة حية تكون لهم طعامًا. لكن العبارة توقفت عند الدم. “ولكن لحما بحياته، دمه، لا تأكلوا”. توقف نوح عند هذه الجملة، كأن الدم هو سر الحياة نفسه، سائل مقدس مسكوب في الأرض مرة، والآن يُمنع أن يسكب في الجوف. كان الأمر يتعدى الطعام، كان درسًا في القداسة، في الاحترام للحياة التي وهبها الله، حتى عند أخذها للقوت.

وبجرأة ولدت من الألفة التي صنعتها السنون في الفلك، سأل نوح سؤالًا كان يتردد في صدره: “يا رب، ومن يحفظ عهدك معنا؟”. لم تأت الإجابة فورًا. ساد صمت عظيم، امتلأ به فراغ العالم الجديد. ثم، كوعد بصري قبل أن يكون سمعيًا، بدأت السماء تتغير.

لم تكن مجرد نهاية للمطر. كانت السماء تتنفس بنعومة، تدفع السحب الثقيلة جانبًا. ثم، مع أشعة الشمس الأولى التي اخترقت الغيوم الرقيقة، حدثت العلامة. لم تكن قوسًا مفاجئًا زاهيًا كما في رسوم الأطفال. لا، بدأت كلمحة لون باهت، كذكرى لون في عين أغمضت طويلاً. ثم تشكلت ببطء، قوس عظيم يلمس أطراف الأرض من جانبيه، كتاج رحمة يوضع على رأس العالم المعافى.

وقف نوح وأبناؤه سام وحام ويافث وزوجاتهم، صامتين. لم يكن المشهد لافتًا للنظر فحسب، بل كان يشبع القلب طمأنينة غريبة. كان العهد مكتوبًا بألوان الضوء المنكسر على قطرات الماء العالقة في الجو. وعد بأن الخراب الشامل لن يعود. كلما اجتمعت السحب في مستقبل الأيام، سينظر الإنسان إلى هذا القوس فيذكر. يذكر لا عظمة الدمار، بل سعة المغفرة.

وبينما هم واقفون، انساب ندى خفيف على جباههم. لم يكن مطرًا، بل كان كدموع السماء الفرحة. أدار نوح وجهه نحو أبنائه، ورأى في عيونهم نفس الذهول الممزوج بالرجاء. علم في تلك اللحظة أن المسؤولية قد انتقلت. ليست مسؤولية البناء فحسب، بل مسؤولية الذكرى. تذكر العهد، وتذكر الدم المسفوك بغير حق، وتذكر الرحمة التي تعلو كل خطيئة.

ساروا عائدين نحو مكان استقرارهم المؤقت، والخيمة التي نصبوها. وكان قوس القزح يذوب ببطء مع تغير زاوية الشمس، كأنه يختفي ليُخلف وعده في صدورهم، لا في سمائهم فقط. وهم يسيرون، سمع نوح همسًا داخليًا أخيرًا، كخاتمة للفصل: “هذه علامة الميثاد الذي أقيمه بيني وبينكم، وبين كل ذي جسد حي… تكون علامة ميثاد بيني وبين الأرض”.

في المساء، بينما كانت نار المخيم تتألق على وجوههم، نظر سام إلى أبيه وسأل: “أيها الأب، هل سننسى؟”. نظر نوح إلى اللهب المتصاعد، ثم إلى الظلمة التي بدأت تحيط بهم، وفيها بريق نجوم جديدة. قال: “قد ننسى. ولكن السماء ستتذكر. وستذكرنا كلما اجتمعت السحب”. وكان في صوته رجاء رجل عاين الدينونة، ثم عاين النعمة، وعلم أن بينهما قوسًا من نور، اسمه الرحمة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *