كان النهر يجري بطيئاً ذلك الصباح، كسائر خيول عجوز تعرف طريقها إلى الحوض. وقف الشيخ ناصيف على الشرفة الخشبية المتآكلة لبيته المطل على الضفة، يرشف قهوته المرة بحركة مألوفة، بينما كانت عيناه تتجولان فوق قرية “الملاحة” التي استيقظت للتو. الدخان يتصاعد من مواقد الطين، وصياح بائع الحليب يقطع ضباب الفجر البارد. كان يعرف أن هذا الهدوء لن يدوم.
في دار البلدة، كان العمدة الجديد، فريد، يدير أولى جلساته. دخل ناصيف إلى القاعة الواسعة ذات السقف العالي، وجلس في الزاوية كما عوّدهم. كان يحمل دائماً معه دفتراً جلدياً أسود، لكنه نادراً ما فتحه. كان يستمع. وكان فريد يتكلم.
“المشاريع! التطوير! سأجعل من هذه القرية مثالاً يُضرب به المثل!” هكذا أعلن فريد، ويداه تلوحان في الهواء كطاحونتي ريح. اقترح تحويل السوق القديم إلى ساحة لركن العربات. “فكرتي عظيمة!” قال. نظر ناصيف إلى الأرض المرصوفة بحجارة زرقاء ملساء من عهد الأجداد، والتي شهدت مئات السنين من تجارة القمح والزيتون والصوف. همس في نفسه: “ذبابة ميتة واحدة تُفْسِدُ طِيبَ العَطَّار. قليل من الجَهْلِ يُثْقِلُ الحِكْمَةَ والكَرَامَةَ”.
لم ينتظر طويلاً. بدأ العمل في مشروع العربات. أزال العمال، بإيعاز من فريد، المزاريب القديمة التي كانت تحمي المحال من مياه الشتاء. جاءت أول عاصفة، فتحول السوق إلى مستنقع عكر، جرف الطين بضائع الحلاق وخيّاط الثياب الفاخرة. جلس الخياط، أبو الياس، أمام محله المدمر، يحدق في الطين الذي ابتلع قطعة قماش شامية نفيسة كانت مشروع شهره. قال بنبرة محطمة: “قلب الحكيم يكون إلى يمينه، وقلب الجاهل إلى شماله”. التفت ناصيف إليه، وأومأ برأسه مواسياً، عاجزاً عن الكلام.
الأمور تسارعت نحو الهاوية. أصر فريد على حفر بئر جديدة في الجهة الشمالية من القرية، حيث كانت الأرض صخرية وعسيرة. استهلك المشروع نصف خزينة القرية، وخرج العمال منهوكين كل مساء. وفي النهاية، لم يُنتج البئر سوى ماء قليلاً عكراً. بينما كان البئر القديم في الجنوب، وهو هدية الأسلاف، يغدق ماء عذباَ بلا كلل. كان الفلاحون يتناقلون القول وهم يملؤون قربهم: “إِذَا سَقَطَ الحَدِيدُ، فَإِنَّهُ يُحَدَّدُ. وَالحِكْمَةُ تَنْفَعُ لِلنَّجاح”.
لكن أسوأ ما فعل فريد لم يكن مشاريعه الفاشلة، بل لسانه. في أحد الأيام، وبينما كان رئيس عمال البناء، رجل وقور اسمه وديع، يشرح له بأدب بالغ سبب تأخر بناء الجدار الاستنادي، انفجر فريد صارخاً: “أنت وغد جاهل! أتجادلني؟”. صمتت الحارة. نظرة المهانة في عيني وديع كانت أقسى من صفعة. وفي اليوم التالي، وجدوا وديع قد حزم أمتعته هو وعائلته وترك القرية إلى الأبد. خسرت الملاحة أفضل بنّاء فيها. تنهد ناصيف وهو يشاهد العربة تبتعد: “كَثِيراً مَا يَخْرُجُ صَوْتُ الحَكِيمِ مِنْ تَحْتِ يَدِ الجَاهِلِ. وَالكَلامُ الجَاهِلُ يُرَفَّعُ صَوْتُهُ”.
لم تكن المصائب مقصورة على دار البلدة. في الحقول، لاحظ ناصيف شباباً يتكاسلون عن إصلاح السياج الحجري حول كرمهم. “الشتاء بعيد”، قال أحدهم بغطرسة. مرت أسابيع، وسقطت بضع حجارات. ثم جاءت قطيع من الماعز الضال، دخلت من الثغرة والتهمت أغصان الكرم اليانعة في ليلة واحدة. “مَنْ يَحْفُرُ حُفْرَةً يَقَعُ فِيهَا، وَمَنْ يَهْدِمُ سُوراً تَلْسَعُهُ الحَيَّة”. كتب ناصيف هذه الكلمات في دفتره الأسود، وقلبه مثقل.
أما النهاية فجاءت على نحو مأساوي عادي. بعد سنتين من حكم فريد، دعا إلى احتفال كبير بمناسبة “إنجازاته”. أمر بذبح ثور سمين، وأقام مأدبة في الساحة الطينية. ونظراً لبذخه، خُزِن اللحم في مستودع غير جيد التهوية، تحت حرارة الصيف اللاهبة. سمع ناصيف، من بيته، أصوات الفرح تتحول فجأة إلى صراخ ونواح عند الفجر. التسمم. مرض العشرات. ومات طفلان صغيران، ابنا بائع الفخار المسكين.
جلس ناصيف على شرفته في اليوم التالي. القرية صامتة كالقبر، والنهر يجري بنفس الطريقة البطيئة، غير مكترث. فتح دفتره، وكتب بخط يده المرتعش: “إِنَّ مَنْ يَقْطَعُ الحِجَارَةَ يَتْعَبُ بِهَا، وَمَنْ يُشَقِّقُ الحَطَبَ يَخْتَطِرُ بِهِ. إِنْ كُنتَ قَدْ كَدَّدْتَ الحَدِيدَ وَهُوَ بَارِدٌ، فَمَاذَا تَصْنَعُ بِهِ وَهُوَ مُلْتَهِبٌ؟”
لم يذهب إلى دار البلدة مرة أخرى. تعلّم الناس أن يستمعوا لهدوء النهر، ولبعضهم البعض، من جديد. وتعلموا، بثمن باهظ، أن الحكمة ليست في الصياح، ولا في العظمة، بل في المزاريب التي تصرف الماء، وفي السياج المحكم، وفي الكلمة الطيبة التي تحفظ كرامة البنّاء. وكانت الشمس تشرق كل يوم على قرية الملاحة، حاملة دفئها وضوءها، وصبغات من الحزن العميق الذي لا يغيب، كظل الشرفة الخشبية على ماء النهر الذي لا يتوقف عن الجريان.




