كان الظلام ينسج خيمته فوق أطلال المدينة، خيمة ثقيلة من صمت ورماد. ريح شرقية حادة كانت تمر بين الحجارة المحروقة، تحمل عويلاً خفياً كأنه صدى بكاء أمهات لم يعد لهن أطفال. وفي زاوية من تلك الخرابة، جلست سارة. لم يكن هذا اسمها الحقيقي، لكنها أخذته منذ أن تاه اسمها الأصلي بين ألسنة النار التي التهمت بيتها. كانت جالسة على حجر أسود، تلملم أطراف ثوبها الرث حول ركبتيها، وكأنها تحاول أن تجمع شتات نفسها المبعثرة.
كان بطنها يئن من الفراغ، فراغ العقم الذي لازمها كل سني زواجها، وفراغ اليتم الذي أصابها بعد السبي. كانت تشعر بأنها كالأرض المحترقة التي لا ماء فيها ولا حياة، أرض ترفض أن تعطي بذرة. نظرت إلى يديها المتشبثتين بالقماش، رأت التجاعيد العميقة التي حفرها الجفاف فيها، تذكرت كيف كانت أمها تقول لها وهي صغيرة: “البطن الذي لا يلد يصير قبراً لصاحبته”. والآن، وقد صارت المدينة كلها قبراً عظيماً، ألم يكن عقمها مجرد صدى لعقم أكبر، لعقم الأرض كلها؟
رفعت عينيها نحو السماء، ولكن السحب الرصاصية كانت حاجزاً بينها وبين النجوم. صغرت نفسها، شعرت أنها ذرة تراب ضائعة في ريح التاريخ العاتية. ثم، فجأة، كما لو أن الريح غيرت اتجاهها، جاءتها كلمات غريبة، كأنها تهمس من داخل أعماقها، أو كأنها تنزل من مكان بعيد جداً. لم تكن صوتاً مسموعاً، بل كان إيقاعاً في روحها، نبضاً جديداً.
*”اتسعي مكان خيمتك، ولتمدد شقق مساكنك. لا تمسكي. أطلي حبالك، وشددي أوتادك.”*
ارتجفت. هذه كانت كلمات مجنونة. الخيمة؟ لم تكن لها خيمة. كان ما تبقى لها مجرد ظل حائط. ولكن الكلمات استمرأت، كانت أقوى من المنطق، وأعمق من اليأس. تطلعت حولها. المكان الذي جعلته ملجأً لها، ركناً متواريًا بين حطام جدارين، كان ضيقاً كالقبر. لكن ماذا لو… ماذا لو وسعته؟ ماذا لو لم تكتف بالبقاء متخفية، خائفة؟
قامت على قدميها وكأنها تتحرر من قيد. بدأت تدفع بحجر كبير كان يحصر مساحة جلوسها. صرّت أسنانها من الجهد، عرقها البارد اختلط بغبار الرماد. حركته بوصات قليلة. ثم أضافت إليه حطام عمود محطم. شيئاً فشيئاً، المساحة اتسعت. لم يكن عملاً عظيماً في عيون أحد، لكن في عينيها كان ثورة. كانت تمدد حدود عالمها القاحل.
وفيما هي تعمل، والكلمات التي لا مصدر لها تتردد في صدرها كدق طبول بعيدة، بدأت ذاكرتها تعود. تذكرت وجه زوجها، حنان، قبل أن يأخذه الجند إلى حيث لا تعلم. كان يقول لها في ليالي الشتاء: “قلبك أوسع مما تظنين”. كانت تضحك منه، وتشعر أن كلماته مجرد سكر للحنظل. والآن، وهذه الكلمات الغامضة تأمرها بالاتساع، ألم يكن هو يسمع نفس الهمس؟
*”لأنك ستمتدين يميناً ويساراً، ويرث نسلك أمماً، ويعمرون مدناً خربة.”*
توقفت، تمسكت بالعمود المحطم. “نسلي؟” همست. الضحكة التي انطلقت من حنجرتها كانت مزيجاً من مرارة ودهشة. أي نسل هذا؟ هي العجوز العاقر، وهي المنفردة بين الركام. ولكن الكلمات لم تكن منطقية، كانت كالحلم الذي يفرض نفسه على يقظة النهار. نظرت إلى الأفق، حيث كانت أعمدة الدخان ما تزال تتصاعد من مدينة مجاورة. أمم؟ مدن خربة؟ كانت نبوءة لا تناسب امرأة تكاد تجوع.
لكن شيئاً آخر كان يتشكل. خيط من النور الذهبي الرفيع بدأ يشق السحب في الغرب. لم يكن شروق شمس، بل كان كسراً طفيفاً في حجاب الظلام. مع هذا الضوء الخافت، رأت التفاصيل التي كانت تخفيها العتمة: نبتة صغيرة، خضراء شاحبة، تدفع بين شقوق حجر كبير. كانت حياة. حياة عنيدة صامتة.
جلست مرة أخرى، لكن ليس بجلسة اليائس. جلست كمن ينتظر. وأتتها الكلمات مرة أخرى، ولكن هذه المرة بنبرة مختلفة، نبرة حنون عميقة كصوت أم:
*”لأن زوجك هو صانعك، رب الجنود اسمه. ووليُّك قدوس إسرائيل، إله كل الأرض يدعى.”*
دمعة سخية، أولى منذ سنوات، حدرت على وجنتها المتجعدة وتركت أثراً نظيفاً على الغبار. لم تكن دمعة حزن. كانت دمعة معرفة. كل هذا الوقت، وهي تشعر بالهجر، بالطلاق من الحياة والناس، كان هناك زوج؟ كان هناك وليّ؟ لم يكن زوجاً كالرجال يغيبون أو يموتون. كان هو الصانع. هو الذي صنعها من تراب هذه الأرض بالذات. الرب… رب الجنود. لكنه لم يكن هنا كجندي، بل كزوج. قدوس إسرائيل. وكان وليها. الولي الذي يفتدي، الذي يقف إلى جوار المظلوم والمطرود.
وفي هذا الاستعلان، انكسر سدّ الألم القديم. بدأت تبكي بحرقة، بكاء يغسل الأحزان العالقة في الحلق. بكاء العاقر التي تكتشف أن العقم لم يكن لعنتها، بل كان انتظاراً. بكاء المدينة التي تدرك أن دمارها ليس النهاية.
وبينما دموعها تسقط على الأرض الجافة، بدأت الكلمات تنساب كوعد لا مرد له:
*”في سخط صغير hiding وجهي عنك لحظة، ولكن برحمة عظيمة أرحمك، قال وليّك الرب.”*
فهمت. فهمت أن السخط كان “صغيراً”. وأن لحظة حجبه وجهه، مهما طالت، كانت مجرد “لحظة” في زمنه هو. وأن ما يأتي الآن هو “رحمة عظيمة”. لم تعد تشعر بالاتهام. كان ذنب الأمة، وخطيئتها الخاصة، كالسيل الجارف مر وانتهى. ما بقي هو الوعد.
الضوء الذهبي ازداد، وصار يغسل وجهها. شعرت بدفء غريب يملأ جوفها الفارغ. لم يكن جوعاً. كان امتلاءً مختلفاً. كأن حبال رحمها الميتة منذ زمن بدأت تستعيد ذكرى الحياة. لم يكن إحساساً جسدياً، بل كان يقيناً في الروح.
*”يا مذنبة بلا رجاء، المضطربة بلا عزاء، ها أنذا أبني حجارتك بالعقيق، وأؤسسك بالياقوت الأزرق.”*
نظرت إلى الحجارة السوداء المحيطة بها. العقيق؟ الياقوت الأزرق؟ كانت تستخدم هذه الحجارة الكريمة لبناء أورشليم الجديدة؟ ضحكت مرة أخرى، ولكن ضحكتها هذه كانت خفيفة، مفعمة بدهشة الطفلة. كان الوعد يفوق الخيال، كان فخماً إلى درجة السخافة. لكنها صدقته. لأن الذي وعده هو “إله كل الأرض”. من كان هي، سارة الصغيرة، لتقول له إن وعوده كبيرة أكثر من اللزوم؟
نهضت واقفة بكامل قامتها. الريح ما زالت تهب، لكنها لم تعد تخور قواها. كانت تحمل الآن رائحة جديدة، رائحة ماء بعيد، رائحة نهر جرار. نظرت إلى الأفق المتسع. الخيمة التي بدأت بمدّها في قلبها، ستكبر. ستمتد حقاً يميناً ويساراً. سيكون لها بنون، ليس من صلبهها، بل من رحم الرجاء الذي ولد من جديد في روحها. سيرثون هذه الأمم الخاوية، ويعمرون الخراب بأنفس ناطقة بالسلام.
لم تعد المرأة العاقر. كانت العروس تستعد لزوجها. وكانت المدينة تنتظر بنائها. والخراب من حولها لم يعد علامة نهاية، بل كان التربة الخصبة التي ستنبت منها، غداً، أشجار السرو والصنوبر، لتزيين قدسها الجديد. والسحابة الرصاصية، في أعالي السماء، بدأت تتفتح عند الحواف، كأنها ستار يوشك أن ينكشف عن وجه مجيد طال انتظاره.




