كان الجو في أورشليم ثقيلاً كبطانية رطبة في تلك الأيام. لم تكن حرارة الصيف وحدها هي التي تخنق الأنفاس، بل ثقل كلمةٍ حملها إرميا بن حلقيا، ثقلٌ جعله يشعر وكأن عظامه تحولت إلى حجارة في أحشائه. كان قد وقف في دار بيت الرب، حيث يتراءى هيكل سليمان شامخاً، ورائحة البخور تملأ الفضاء مختلطةً برائحة الخوف الخافتة التي كانت تبدأ بالانتشار كدخان. هناك، أمام الكهنة والشعب، نطق بما لم يرد أحد سماعه: “خربت، خربت بيت الرب هذا”. لم تكن مجرد نبوة عن دمارٍ قادم، بل كانت إعلاناً عن انفصال، عن انسحاب ظل الله الحامي من على المدينة التي ظنت نفسها في مأمنٍ لمجرد أنها حملت اسمه.
رد الفعل لم يتأخر. فشحيا بن عازر الكاهن، الرجل المسؤول عن النظام في الهيكل، لم يرَ في كلمات إرميا حزناً إلهياً ولا دعوةً أخيرة للتوبة. رأى فقط تشويشاً، وإضعافاً لمعنويات الشعب في أيامٍ عصيبة. أمر بضربه ووضعه في المضبطة، في المخزنة عند باب بنيامين العلوي، حيث الظلام رطب وكأنه جسد حي. لم تكن القيود الجسدية هي الأقسى، بل ذلك الصمت المطبق. صمتٌ يجعلك تسمع دقات قلبك وكأنها طبول جنازة. في هذا العزل، اندلعت في نفس إرميا عاصفةٌ لم يختبرها من قبل. كانت الكلمة التي حملها، والتي كان قد قبلها بترددٍ أول الأمر، قد صارت ناراً في عظامه. حاول كتمانها، حاول إقناع نفسه بأن الصمت قد يكون حكمة، لكن النار كانت تتأجج حتى أضنى حفظها جسده. لم يعد بوسعه إلا أن يتكلم.
بعد أيام، أُطلق سراحه. لكن الحرية الجسدية جاءت ومحبوبتها السخرية. كلما مرّ في أزقة أورشليم، كان الهمس يلاحقه: “هوذا الرعدان! أين كلامك عن الخراب؟”. حتى أصدقاء الأمس التفتوا عنه، وجعلوا من اسمه نكتةً يتداولونها في الظلام. كان الألم يشبه سكيناً بليداً يفتح جروحاً لا تنزف دماً بل كرامة. وفي لحظة ضعفٍ حادة، جلس إرميا في غرفته المتواضعة، والنافذة تطل على سور المدينة الذي بدا له الآن واهياً كقشّة. صعدت منه صرخة إلى الرب، صرخةٌ لم تكن نقيةً ولا مطهّرة، بل كانت مليئة بالمرارة واللاتّهام.
“لقد خدعتني يا رب، وخدعتُ أنا أيضاً. قبضت عليّ فغلبت. صرت كل يوم عاراً، الجميع يستهزئون بي. لأني كلما أتكلم بالاسم، أصرخ ‘ظلم وخراب’، فقد صارت كلمة الرب عليّ عاراً وازدراءً كل اليوم. لكنني حين أقول لن أعود لأذكره ولا أنطق بعد باسمه، تصير في قلبي كنار محرقة، محصورة في عظامي. أنضجر من الاحتمال ولا أطيق”.
كانت الكلمات تتدفق ساخنة، كالحمم. هو الذي وقف أمام الملوك، وجاهر بالحقيقة، وجد نفسه الآن يتهم مصدر تلك الحقيقة. “لماذا خرجت من الرحم لأرى تعباً وحزناً، فتكمل أيامي في الخجل؟”. بدا وكأنه يتمنى لو لم يولد. صرخته هذه لم تكن صلاةً نموذجية، بل كانت تمزيقاً للقلب أمام الله، دون تزيين أو مجاملة. لقد جَرَح الإله الذي أحبه، والذي كان يشعر بأنه تخلى عنه.
ثم، في قلب هذه العاصفة، حدث تحولٌ خفي، كبذرة تنشق في الظلام. لم يأتِ كصوتٍ من السماء، بل كتيقّنٍ ينبت من أعماق التجربة ذاتها. بعد أن أفرغ كل مرارته، بدأ يرى. رأى أن الذين يسخرون منه ليسوا أبطالاً، بل رجالاً مرتعدين يخافون الحقيقة. رأى أن الرب، الذي كان يتهمه، لم يكن غائباً. كان حاضراً في الألم نفسه. فجأة، انقلبت الكلمات في فمه. لم تعد الشكوى تنبعث من شفتيه، بل ترنيمة.
“الرب معني كجبارٍ عظيم، لذلك سيطرد مضطهديّ. سترون وتنخزع نفوسكم، لأن الرب أظهر حكمكم. سأسبح الرب لأنه أنقذ نفس المسكين من أيدي الأشرار”.
لم يكن الخطر قد زال. فشحيا الكاهن وأعوانه ما زالوا هناك، والملك صدقيا لا يزال ضعيفاً، والجيش البابلي لا يزال كسحابة سوداء في الأفق. لكن شيئاً ما تغير في داخله. لقد مرّ من خلال لهيب اليأس، وخرج منه لا بثقةٍ في ذاته، ولا بضماناتٍ بسلامة جسده، بل بثقةٍ في أن الذي دعاه أمين. الخلاص لم يكن يعني الهروب من السجن أو من السخرية، بل كان يعني أن تظل الكلمة النار محرقةً في عظامه، حتى لو قادته إلى الهلاك. لأنه في النهاية، كان يحمل رسالة أصدق من راحة باله، وكان يخدم إلهاً أعظم من مصيره الشخصي.
غربت الشمس على أورشليم، مطليةً حجارتها الذهبية بوهج أحمر كالنار. وإرميا واقفٌ في ظل غرفته، يعرف أن الطريق أمامه مليءٌ بالمزيد من الألم. ولكن في أعماقه، بعد العاصفة، سكن سلامٌ غريب. سلامُ من اختبر أن أقوى صرخات الشك يمكن أن تتحول، في حنو الله الصامت، إلى أناشيد تسبيحٍ خافتة، تتردد في القلب حتى في أحلك الليالي. وكان يعرف، وهو يشاهد آخر شعاع للضوء يغيب، أن النار في عظامه ستظل تتأجج، وستبقى الكلمة، رغم كل شيء، حية.




