الكتاب المقدس

حكمة الشيخ ناصر في العدل

كانت الشمس تميل نحو المغيب، تُطلِق أشعَّتها الذهبية الأخيرة على خيام القبيلة المنتشرة في سهلٍ فسيح. في الخيمة الكبرى، حيث تُعلَّق آنية النحاس المُطعَّمة، جلس الشيخ ناصر على وسائد من الصوف الخشن، وقد أحاط به رجالٌ يبحثون عن حكمه. رائحة البن المطحون حديثاً تملأ الفضاء، ممتزجةً بعبق التراب بعد نسمة مطرٍ عابرة.

جاءه الأول، رجلٌ عابس الوجه، ثيابه مغبرة. “يا شيخ ناصر، لقد غابت عني ناقة من أفضل نوقي، ذات سمة في أذنها اليسى. وبعد بحثٍ وجدتُها في قطيع ابن عمي، وهو يدَّعي ملكيتها. فماذا يكون لي بحقّي؟”

سكت الشيخ قليلاً، ينظر إلى النار المتوهجة في منتصف الخيمة. ثم قال بصوته الهادئ العميق: “العدل لا يُبنى على الادعاء وحده. إن جاءك بصامتين، فالناقة لك، وله ناقة أخرى بدلاً عنها. ولكن إن كانت الناقة حية في حوزته، فعليه أن يردَّ إليك مثلها، ويُعيد الناقة ذاتها. فالسرقة، إن وُجدت، تزول بردِّ المثل، وزيادة. لكن إن ذُبحت أو بيعت، فالثمن أربعة أضعاف، لأن الأمانة قد انتهكت، والثقة قد أُزهقت.”

ثم تقدَّم رجل آخر، تعلو وجهه علامات التعب. “لقد أودعتُ جاري قطعة من فضَّتي، لَحِفظها. وحين طلبتُها، أنكرها. ولا شهود لي.”

أدار الشيخ ناصر كأس القهوة المرَّة بين يديه. “هذه مسألة قلوب، قبل أن تكون مسألة متاع. إن صدَّقته، فليحلف باسم الرب أنه لم يأخذ ما ليس له. وتنتهي المسألة، ويبقى احترام الجوار. ولكن إن تبيَّن بعد حين أنه كتم المتاع، فعليه أن يردَّ ضعفين. لأن جناية الخيانة أكبر من جناية الضياع.”

وأثناء الحديث، هبَّت ريحٌ قوية هزَّت أطراف الخيمة، وأصوات الطبيعة تعلو خارجاً. تدخَّل رجل ثالث، صوته مليء بالقلق: “وما حكم من استعار بغلة من صاحبه، فماتت تحت الحمل، أو أصابها عطَبٌ بغير يديه؟”

نظر الشيخ إلى الرجل، وعيناه تحملان فهم عمق المسؤولية. “إن ماتت وهي معه، أو أصابها ما لا ذنب له فيه، فليس عليه إلا اليمين أن يدُه بريئة. ولكن إن كان معه أجيرٌ أو صاحبها، فالأمر يختلف. فالوديعة أمانة، والناس أمناء على ما استُؤمِنوا عليه. وإن كان العطَب بفعله، أو بإهماله، فعليه الضمان. لأن الحياة والدواب عطية، وإهمالها جحود للنعمة.”

ساد صمتٌ قصير، لا يُسمع إلا صوت حفيف السعف. ثم تحدث الشيخ وكلماته تُقاس بوعي كالميزان: “هذه ليست مجرد قوانين تُكتب على جلد. إنما هي نسيج المجتمع. من أضار يتدارك، ومن أخطأ يصلح، ومن اعتدى يُردعه العدل. حتى النار إذا خرجت من أرض رجل وأحرقت زرع جاره، عليه تعويض ما أتلفته. لأن حرية المرء تنتهي حيث تبدأ حدود الآخر.”

وقف الشيخ ناصر أخيراً، وظهره منحنيٌ قليلاً بحكمة السنين. “الأهم من كل هذا، أن لا تكون قلوبكم قاسية. إن رأيتم حمار عدوك قد سقط تحت حمله، فلن تُهملوه. وإن رأيتم ثوباً ضائعاً، تردُّونه. لأننا جميعاً تحت سماء واحدة، وإله العدل يرانا. القانون ليس عقوبةً فقط، بل هو تذكير بأننا مسؤولون عن بعضنا، في السراء والضراء.”

خرج الرجال من الخيمة، والظلام يلفُّ السهل، وتلمع النجوم كشهودٍ صامتين على عدالة أزلية. والنار في وسط الخيمة تخبو رويداً، لكن كلمات الشيخ بقيت، كأصوات خفية تنسج بضمائر الحاضرين نسيجاً من اليقين: أن العدل ليس مجرد نص، بل هو رحمة متجسدة، ومسؤولية مشتركة، وعهد بين الإنسان وأخيه الإنسان، تحت عين الذي لا يغفو.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *